الوقت يمر سريعًا! متى يستقيل روبيو؟
محمد المنشاوي
آخر تحديث:
الخميس 2 يوليه 2026 - 8:00 م
بتوقيت القاهرة
قبل أيام، تساءل السيد أيمن زين الدين، السفير السابق بوزارة الخارجية المصرية، عن استقالة يتوقعها من وزير الخارجية ومستشار الأمن القومى الأمريكى ماركو روبيو. وذكر السفير زين الدين أن روبيو لديه طموح رئاسى، ونظرًا لأن جى دى فانس، نائب الرئيس دونالد ترامب، هو المرشح الطبيعى للتيار المتشكك فى الحروب، والمؤيد للاتفاق مع إيران داخل الحزب الجمهورى، فليس أمام روبيو إلا الاستقالة لتأكيد أنه ممثل للتيار المتشدد الذى يرغب فى استمرار الحرب حتى تحقيق الانتصار الكامل على إيران. واعتبر السفير زين الدين أن استمرار روبيو فى مناصبه سيفقده فرصة الترشح للرئاسة بصورة كبيرة.
وبالفعل، يتوقع كثيرون فى واشنطن، ونظرًا لخلفية روبيو كسياسى انتهازى تقليدى، أن يُسرع بالقفز من مركب ترامب، التى قد لا يكون له فيها مستقبل أفضل مما حصل عليه بالفعل. وبعد مسيرة مهنية غنية شملت تمثيل ولاية فلوريدا فى مجلس الشيوخ لما يقرب من 14 عامًا، وبعد تبوئه منصبين رفيعين فى إدارة ترامب الثانية، كوزير للخارجية ومستشار للأمن القومى (كما كان هنرى كيسنجر لعدة سنوات)، لم يعد أمام طموح روبيو التصاعدى إلا مقعد المكتب البيضاوى ذاته.
• • •
ويصطدم طموح روبيو بجى دى فانس، نائب الرئيس، الذى أمضى السنوات الأخيرة فى بناء شبكة دعم واسعة داخل الحزب الجمهورى. فقد نجح فانس فى الحصول على دعم شخصيات نافذة داخل الحزب، من بينها دونالد ترامب الابن، الذى لعب دورًا مهمًا فى صعوده السياسى خلال الحملة الانتخابية لعام 2024. كما يحظى فانس بعلاقات وثيقة مع عدد من كبار المانحين فى قطاع التكنولوجيا، من بينهم المليارديران بيتر ثيل وإيلون ماسك، ما يمنحه شبكة تمويل قوية لأى حملة انتخابية مستقبلية.
ولا يقتصر نفوذ فانس على الدعم المالى فقط، إذ حاز أيضًا تأييد منظمة «تيرنينج بوينت يو إس إيه»، إحدى أبرز المنظمات المحافظة التى تمتلك شبكة واسعة من الناشطين داخل الولايات المتحدة، والتى أسسها الناشط الراحل تشارلى كيرك، كما تجمع الصداقة بين فانس ورموز التيار الانعزالى فى الحزب، فى الوقت ذاته، ممثلًا فى شخصيات مؤثرة، منها تاكر كارلسون وميجان كيلى.
ويعد فانس صغير السن نسبيًا، إذ لم يتخطَّ بعد الـ42 من العمر، فى حين بلغ روبيو الـ55 فى مايو الماضى. ورغم عدم اختيار ترامب مرشحًا لخلافته، يمزح الرئيس بين الحين والآخر، مستمتعًا بتكهنات الخبراء بشأن تفضيلاته بين كبار مساعديه، فانس وروبيو. إلا أن ترامب أشعل بعض التكهنات فى 3 يونيو، عندما اقترح أن بطاقة جمهورية رئاسية تضم فانس وروبيو سيكون من السهل لها الانتصار فى انتخابات 2028.
لكن من يعرف روبيو يعرف أنه لن يقبل بدور الرجل الثانى فى البيت الأبيض، بعدما قبل التنحى جانبًا أمام عاصفة وهيمنة ترامب لعقد من الزمان.
• • •
وبعد أن أصبح فانس هو الوجه الأمريكى الرسمى للاتفاق مع إيران، وصفت الكثير من الدوائر المعروفة بقربها من إسرائيل ولوبياتها فى واشنطن وخارجها مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بالفعل بأنها «صفقة فانس»، وتبرز ذلك على أنه ليس مدحًا. برز فانس منذ البداية كمتشكك فى الحرب، مدفوعًا بنهج «أمريكا أولًا» تجاه التدخل الأجنبى. الآن يجد فانس نفسه فى فخ، إذ يحاول تسويق النتيجة الدبلوماسية لحرب أطلقها ترامب، وإذا انهارت الصفقة، فإن فانس سيتحمل الفشل. وإذا استمرت، سيدعى ترامب الانتصار. من هنا، يمشى فانس على حبل مشدود، ويقف روبيو يراقب متربصًا هادئًا.
يتصدر فانس الاستطلاعات التمهيدية بين الجمهوريين، خاصة بين الناخبين الجمهوريين الشباب، ونائب الرئيس لديه مزايا كثيرة، وجاذبية كبيرة للمنصب، وهى مزايا يصعب التغلب عليها من وزارة الخارجية.
ويحمل سيناريو استقالة روبيو مخاطر حقيقية، فواشنطن تعاقب من يُعتقد أنهم لا ولاء لهم، وسيحتاج روبيو إلى التعامل مع رحيله دون إثارة شرخ فى إدارة ترامب، أو إثارة حفيظة ترامب نفسه.
ولا يكترث الناخبون الأمريكيون كثيرًا بالقضايا الخارجية عند التصويت، ومن هنا يمكن لروبيو، حال استقالته، التركيز على الاقتصاد الداخلى، والهجرة، والقضايا الثقافية والاجتماعية. ومن ناحية أخرى، لا يمكن لوزير فى مجلس وزراء ترامب أن ينظم فعاليات انتخابية، أو يجمع التبرعات، أو يبنى شبكات متبرعين، أو حتى أن يلقى خطبًا سياسية لجذب الأنصار فى الانتخابات التمهيدية. وينشغل روبيو، كوزير للخارجية، ناهيك عن دوره فى البيت الأبيض، بمهام بروتوكولية ودبلوماسية تستهلكه وتستهلك وقته، وترسخ كونه مجرد وزير.
ولروبيو شعبية كبيرة بين الناخبين الجمهوريين الذين تزيد أعمارهم على 50 عامًا، بينما يسيطر فانس على الناخبين الأصغر سنًا. وببساطة، كل أسبوع يبقى فيه روبيو فى إدارة ترامب، يحصل نائب الرئيس على فرصة تلقائية لخلافة ترامب دون منافسة.
• • •
ويمثل روبيو قصة نموذجية للحلم الأمريكى؛ إذ ولد لأبوين من المهاجرين الكوبيين ممن هربوا من نظام الرئيس فيدل كاسترو الشيوعى، وبدآ حياتهما الجديدة فى الولايات المتحدة. وبعد أن عملا معظم حياتهما فى وظائف متواضعة بفنادق مدينة لاس فيجاس السياحية الشهيرة، استقر بهما الحال، مثل مئات الآلاف من الكوبيين، فى مدينة ميامى بولاية فلوريدا. ويعبر روبيو كثيرًا عن فخره بكونه «ابن المنفى»، لكون والديه من اللاجئين إلى الولايات المتحدة.
ويمتلك روبيو مهارات كاريزمية تمكنه من جذب الكثيرين إلى صفه إذا ما استمعوا إليه. فمن خلال وضوح طريقة كلامه وسهولة الألفاظ التى يستخدمها، يدخل روبيو بسهولة إلى قلوب ناخبين لم يعرفوه من قبل.
من هنا، إذا كان روبيو جادًا بشأن الترشح لانتخابات 2028، فإن أكثر خطوة استراتيجية يمكنه اتخاذها هى الاستقالة من منصب وزير الخارجية، والقيام بذلك سريعًا.