دايت التفكير
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 2 يوليه 2026 - 8:00 م
بتوقيت القاهرة
منذ أثار انتباهى نظام الطيبات الشهير بكل ما أحاط به من غرابة وضجة وانقسام وفبركة وفكاهة وقلق شديد من دلالات الظاهرة، ورحتُ أقرأ المنشور عنه وحوله لبضعة أيام، انتهز الفيسبوك الفرصة وأخذ يوالينى يوميًا بعشرات الإعلانات عن مكوّنات النظام الغذائى الصحّى وطرق إنقاص الوزن. ولقد سبق لى تجربة نفس الأمر عندما كنت أبحثُ عن حذاء على فيسبوك فتحوّلت صفحتى إلى معرض للأحذية من كل صنف ولون، وكتبتُ هنا عن هذه الظاهرة قبل خمس سنوات مقالًا بعنوان "حصار الأحذية". أما الآن فلقد حدث ترفيع لمستوى اهتماماتى وانتقَلتُ من الاهتمام براحة القدم إلى الاهتمام براحة القولون، وسايرنى الفيسبوك.
• • •
عشرات من مقدمى البودكاست أراهم لأول مرة فى حياتى ينصحون المشاهدين بكل ما يخطر على البال من أول مواعيد تناوُل الڤيتامينات والمقويّات على مدار اليوم، وحتى الوجبات الغذائية من مدخل: كُل ولا تأكُل. ومن بين العديد من النصائح التى تستحق التعليق عليها، أتوقّف عند نصيحة لفتت انتباهى تدعو الباحثين عن الرشاقة إلى التفكير قبل الأكل فيما إذا كانوا يشعرون بالجوع فعلًا أم لا، وتطالبهم بأن يستعلموا عن عدد السُعرات الحرارية الموجودة فى كوب الآيس كريم أو ثمرة المانجو أو قطعة الشيكولاتة ثم يقررون ماذا يفعلون. وقبل أن أستطرد فى شرح وجهة نظر صاحب البودكاست- أفتح قوسين لأقول إن مجرد ذِكر هذه المُغريات الثلاثة كان كفيلًا بأن يُحدث تأثيرًا عكسيًا لأنه جعل ريقى -وأظن ريق الكثيرين أيضًا- يجرى، فمَن الذى لا يُحب المانجو المصرية ومَن الذى لا ينتظر تباشيرها؟. أعرف طفلةً فى السابعة من عمرها كان المكان المفضّل لتناوُلها ثمار المانجو هو حوض الاستحمام حتى تتحرّك بحرية وتسبح كما تشاء فى عالَم العويس والفصّ والفونس. وبدون مبالغة أعتقد أنه لو تم إدخال المانجو ضمن المؤشرات التى تقيس مستوى السعادة لكانت قادرة على رفع التصنيف الدولى لمصر.
• • •
منطق صاحب البودكاست أن تشغيل العقل قبل الأكل يساعد فى تبريد المشاعر والتقاط الأنفاس وإعادة تقييم الموقف. وهذه النصيحة معروفة، وكثيرًا ما يتم توجيهها للأشخاص الذين يتميّزون بسرعة الانفعال بهدف تجنيبهم الوقوع فى أخطاء كان من الممكن تفاديها لو أنهم أخذوا وقتهم فى التفكير. وطالما لا يوجد من حيث المبدأ ما يمنع من توسيع نطاق النصيحة فإن السؤال يكون هو: ماذا لفت انتباهى إذن فى نصيحة التفكير قبل الأكل؟
• • •
تعامَل صاحب البودكاست ببساطة مع وصفته السحرية على نحو يذكّرنا بالطريقة المبتكرة التى وصف بها حضرة الأراجوز فى أوبريت "الليلة الكبيرة" كيف يمكن لجناب العُمدة أن يذهب إلى مقام سيدنا المتولي- امدح نبينا وصلّى عليه. معظمنا يحفظ الحوار اللطيف الذى دار بين الاثنين وانتهى بجملة "ودى وصفة سهلة.. ودى وصفة هايلة" مع أن العُمدة تاه فى النهاية، وغادر المسرح تشيّعه تريقة العفاريت الصغار "مع السلامة يا ابو عِمّة مايلة". وبالمثل فإن الأمر لا يحتاج من الشخص طالب الرشاقة إلا أن يقوم بتشغيل مخّه لبضع ثوان حتى يكتشف أنه مُقدم على الأكل من باب الزهق أو الضيق أو الفضول أو العادة السيئة.. إلخ، أو أى سبب آخر باسثناء الحاجة البيولوجية الحقيقية. ومتى وصل صاحبنا إلى هذه النقطة من التفكير فإنه سينتقل بعدها مباشرةً لحساب عدد السُعرات الحرارية ويكتشف أنه كان مقبلًا على اقتراف جريمة صغيرة، لولا أن ربنا ستر.
• • •
هذا النوع من النصائح الغذائية المتفائلة يفترض توفّر شرطين، الشرط الأول هو عقلانية الشخص وقدرته على تحديد مصلحته. لكن العقلانية مع الأسف منهج قديم تعرّض لنقد شديد فى السياسة كما فى الحياة، وإلا لما كان كل هذا الجنون الذى يجتاح الكوكب. وفيما يخصّ موضوع المقال فإننا نلاحظ أن متخّذ القرار غير العقلانى عندما يلتهم ما لا يلزمه من الطعام سيحاول عقلنة قراره وتبريره بكل الطرق الممكنة. فهو قد يقول إنه بذل مجهودًا كبيرًا على مدار اليوم بما يجعله مطمئنًا إلى أنه حرق السعرات الإضافية دون مشاكل. أو يقول إن ثمرةً لذيذةً واحدةً من المانجو لن تؤثّر كثيرًا فى الوزن بل إنها قد تُحدث صدمة للجسد، وهى صدمات مطلوبة على أى حال. أو يقول -وهذا هو الأكثر شيوعًا- إنه سيبدأ فى اتبّاع نظام غذائى صارم اعتبارًا من... والمدة الزمنية مفتوحة. المهم فى الأمر هو أن يتّم تسويق قرار الطعام بما يرفع العتَب ويريح الضمير. أما الشرط الثانى فهو الإفلات من تأثير المحيط، وهى بالتأكيد مسألة نسبية تختلف من موقف لآخر ومن شخص لآخر. الآن تلوح أمامى أسرة من الطبقة المتوسطة تقضى يومين من الإجازة الصيفية فى الإسكندرية أو ما يشبه أجواءها فى إحدى قرى الساحل الطيب. يمر من أمام الأسرة بائع فريسكا يحمل صندوقه الزجاجى الكبير بطلائه الأبيض المقشور، وتحاصرها فوضى الشماسى بالسمسمية والفولية وجوز الهند. لا يشعر أفرادها بالجوع ولا يثقون فى طريقة صنع الحلوى ولا حتى لديهم معلومة واحدة عن مستوى النظافة أو تاريخ الصلاحية، لكن كيف يفلتون من تأثير البيئة المحيطة؟ بافتراض أن هناك سببًا يدفع الأسرة للمقاومة فالأرجح أنه سيكون سعر الفريسكا الذى صار نوعًا من الضحك على الذقون، وليس أى سبب آخر.
• • •
أخذ طبق البسبوسة وضعه على مائدة السفرة لم يمسسه أحد كالمعتاد فى انتظار الزيارة الأسبوعية للحفيدتين الحبيبتين، واستقرَت قطعة مناسبة من القشدة اللبّانى فى الثلاجة أيضًا كالمعتاد. فى المرة الأولى مررتُ على المكان مرورًا عابرًا، بلغة القانون الدولى، ولم أتوقّف. وعندما مررتُ عليه فى المرة الثانية استعذتُ بالله من الشيطان الرچيم وذكّرت نفسى بعدد السعرات الحرارية والدهون ثلاثية الأبعاد وهشاشة العظام المزمنة وبأن الساعة قاربَت العاشرة مساءً، وكل المحاذير الكفيلة بالتفكير فى نصيحة صاحب البودكاست، وبالتالى التأنى قبل اتخاذ القرار. أما فى المرة الثالثة فلقد غابت عنى تفاصيل المشهد بالكامل، فلم أعد أرى الكتب المبعثرة وآنية الزهور الضخمة وزجاجة المياه المعدنية وقد انزوت جانبًا لتفسح الطريق لطبق البسبوسة، ولا لاحظتُ المقاعد الكانيه وهى تحيط الطبق بحنان من كل صوب وكأنه موكب رئاسى. هو وحده الذى خطف نظرى، فقط هو. تقدمتُ فى ثبات نحو الهدف وكشفتُ الغطاء عن الطبق وبدأتُ التعامُل ونسيت القشدة تمامًا. من بعيد جاءنى صوت الست يتغنّى بمقطع من رائعة أحمد رامى «ومهما شفت جمال وزار خيالى خيال.. إنت اللى شاغل البال وأنت اللى قلبى وروحى معاك»، وكانت ليلة حلوة.