الديمقراطية بين الفاشية والإسلاموفوبيا والطبقية

محمد المنشاوي
محمد المنشاوي

آخر تحديث: الجمعة 2 أغسطس 2013 - 8:55 ص بتوقيت القاهرة

بعيدا عن اختزال قضية الديمقراطية فى مصر وشخصنتها فى صراع التيار الإسلامى والتيار المعروف بالمدنى، تتعرض ديمقراطية مصر لمخاطر عدة أهمها ثالوث مخيف ترتكز أضلاعه على تصاعد وتيرة خطاب فاشى اقصائى من ناحية، ويعتمد على تشجيع ظاهرة الإسلاموفوبيا، أما ضلعه الثالث فعماده دعوة واضحة لتهميش الطبقات الدنيا والفقيرة. ويهدف هذا المثلث على الالتفاف على مبدأ المساواة فى الحقوق بين كل المصريين.

ورغم مرور كثير من الدول بمراحل من الفوضى والعنف والقتل والترهيب من أجل أن تستمتع شعوبها بحق اختيار من يحكمها من خلال انتخابات حرة عادلة متكررة، يبدو أن «معادلة صوت لكل مواطن» التى تمنح كل المواطنين الفقراء والأغنياء وأفراد الطبقات الدنيا والوسطى والعليا حقوقا متساوية فى التصويت، لا تلقى استحسانا عند قطاع كبير من المصريين ممن يتصورون أنهم أكثر إنسانية وأكثر تحضرا وأكثر نظافة وأكثر تعلما من بقية جموع الشعب.

ولا ترضى هذه الفئة أن يختار «الشعب الجاهل» حكامه، وهم يرون أن «الشعب الجوعان» يجب أن يهتم «بأكل عيشه» وليس بالعملية السياسية والانتخابات. تحبذ هذه الفئة أن توصف بأنها «النخبة القديمة» إلا أن مسمى «الفاشيون المصريون الجدد» يعبر أكثر عما يؤمنون به.

●●●

خدم الفاشيون المصريون بإخلاص نظام مبارك وتسلموا وظائف تنفيذية وقضائية وتشريعية عليا فى الحكومة بناء على درجة قربهم وولائهم لرأس النظام. لم يعترض الفاشيون الجدد على نظام الحكم الاستبدادى فى مصر، ولم يعترضوا على التنكيل بالمعارضين السياسيين، ولم يمانعوا فى انتهاك حقوق أساسية للمواطنين، ووافقوا على تزوير الانتخابات وعلى الزواج غير الشرعى بين المال والسياسة.

لا يؤمنون هؤلاء الفاشيون بالمساواة بين كل المصريين، فى حين يؤمنون أنهم وطبقتهم المميزة فقط يقدرون على تحمل المسئولية وقيادة الدولة والشعب. وهم يرون أن الدولة التى يتبوأون فيها أعلى المناصب هى كائن أهم من الجميع وفوق الجميع، ولا يمانعون إلغاء الحريات الفردية كى لا تهدد تماسك الدولة.

سيطرت هذه النخبة على مقدرات مصر الدولة والسلطة والحكم خلال الثلاثين سنة الأخيرة بصورة مباشرة، وقبل ذلك بصورة غير مباشرة لمدة مماثلة. لم تسهم هذه الفئة فى تقدم مصر فى أى مجال، بل على العكس نشرت فى الأرض المصرية فسادا، وتم استخدام جهاز الدولة والحزب الحاكم للحفاظ على شبكة المصالح الضيقة لهذه الفئة.

ومنذ سقوط الرئيس حسنى مبارك، يسعى الفاشيون الجدد لعودة تركيز السلطة فى يد طبقتهم، ومثلت حركة تمرد واحتجاجات 30 يونيه حبلا للنجاة وحلا سحريا لما ابتلوا به بعد اسقاط ثورة 25 يناير لرأس الدولة حسنى مبارك. ويستخدم هؤلاء الفاشيون كل مواردهم وشبكاتهم للدعوة لإقصاء التيار الإسلامى من المشهد السياسى الجديد بعد 3 يوليو. ووفر فقر الأداء وسوء الحسابات السياسية اللذين ميزا مرحلة حكم الرئيس محمد مرسى حجة قوية يستغلها الفاشيون للانقضاض على العملية الديمقراطية الوليدة.

●●●

أما ضلع الإسلاموفوبيا فيمثل لغزا معقدا لمن لديه أى عقل يفكر به. ومن خلال معيشتى ودراستى وعملى فى الولايات المتحدة تعرفت على مظاهر الإسلاموفوبيا فى صورها القبيحة المختلفة والتى زادت بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، أى قبل عشر سنوات من سقوط مبارك. ويمكن تعريف الإسلاموفوبيا ببساطة بأنها خوف وكراهية مبالغ فيهما ضد الإسلام والمسلمين فى الغرب. وتهدف بصورة أساسية إلى تقديم صور نمطية سلبية تؤدى للتحيز ضد المسلمين فى أماكن العمل والسكن والتعليم، وتهميشهم فى الحياة العامة.

ويقف وراء هذه الحركات بالأساس مجموعات يمينية متشددة من المحافظين الجدد تعبئ وتحشد قواها ليبدو المسلمين وكأنهم خطر شديد على أمريكا. إلا أن ما يثير الدهشة حقا هو تنامى ظاهرة الإسلاموفوبيا بسرعة كبيرة داخل مصر، تلك الدولة التى يدين ما يقرب من 85% من سكانها بالإسلام.

ومثلما يحدث فى الغرب تقوم ماكينة الإعلام المصرية الحكومية وغير الحكومية بجهود كبيرة منتظمة لشيطنة أحزاب وحركات التيار الإسلامى، ووصفهم بالخطر الداهم على مستقبل مصر. وتعددت الادعاءات بداية من اتهام التيار الإسلامى برعاية مصالح خارجية يعتبرها أكثر أهمية من مصالح الدولة المصرية، ومن الترهيب بفزاعة أخونة مؤسسات الدولة، وصولا للهجمات متكررة على الملتحين والمنتقبات.

ووصلت ماكينة الترهيب أعمالها حتى طالب العديد ممن يوصفون بمفكرين وصناع الرأى بضرورة منع ممثلى التيار الإسلامى من أى مشاركة فى خريطة طريق المستقبل، وتشكيك البعض فى مصريتهم.

●●●

أما آخر أضلاع المثلث يرتبط بالطبقية المريضة التى حركت قطاعات كبيرة من المصريين لترفض بوضوح نتائج صناديق الانتخابات رغم أنها جاءت عاكسة لرغبات غالبية المصوتين. ورفضت هذه القطاعات وجود برلمان يفوز بعضويته مواطنون فقراء أو من أبناء الطبقة الوسطى والدنيا، أو وجود رئيس منتخب لا يوجد ما يجمعه بهم لا ثقافيا ولا اجتماعيا.

لعقود طويلة نأت هذه النخبة بنفسها عن مصر الحقيقية ومشكلاتها التى يعانى منها الغالبية العظمى من ملايين المصريين، وظهر ذلك جليا فى قطاع التعليم. لم تمانع هذه النخبة فى تدهور نظام التعليم المدرسى والجامعى الحكومى، وأوجدت لنفسها تعليما بديلا يعتقدون أنه جيد فى المدارس الخاصة ذات المناهج الأجنبية من بريطانية وأمريكية وفرنسية، وحتى تركية. ونفس النموذج تكرر فى قطاع الصحة والنقل والإسكان.

●●●

واليوم يدعى هؤلاء الثورية فى أقبح صورها وينادون بضرورة الحفاظ على الأمن على حساب الحريات. الأمن والحريات التى يريدونها فقط لهم ولأمثالهم وليس للجميع سواسية من كل المصريين. لم تقم ثورة 25 يناير فقط لإسقاط الرئيس السابق حسنى مبارك، بل هدفت لتغيير نمط العلاقة الحاكمة بين الحاكمين والمحكومين. ولن يبدأ ذلك التغيير طالما ظلت النخبة الطبقية المرتبطة بالنظام السابق بمنأى عن رياح التغيير التى أظهرت أحداث 30 يونيه وما بعدها أنها لم تصبهم بعد.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved