معجون تاريخ وسياسة وأدب
صحافة عربية
آخر تحديث:
الأحد 2 أغسطس 2026 - 7:25 م
بتوقيت القاهرة
نشرت جريدة الخليج الإماراتية مقالا للكاتب عبداللطيف الزبيدي، ينتقد فيه إهمال العرب لتراثهم التاريخى وعدم الاستفادة منه، فى حين يتعامل الغرب مع التاريخ ككائن حى تُدرس مواده بالمختبرات والعلوم الحديثة لإعادة قراءته وتوليد رؤى مستقبلية منه.. نعرض من المقال ما يلى:
هل تتابع بعض المجلات الأجنبية المتخصصة فى التاريخ والحضارات؟ تحقيقاتهم مختبرات علوم بيولوجية للميراث. كأنهم يحرثون الزمن الماضى، يقلّبون تربة حقبه وأيّامه. الفرق بيننا وبينهم، هو أننا نضع العصور على الرفوف وفى المتاحف.. فتكون للديكور والتحنان والتطريب بالأطلال والتذكير بالأمجاد فى بعض المواقف.. هم يرون الزمن الماضى كنهر أزلىٍّ أبدىٍّ والبرايا حلقات فى شريط، مقبلٌ فيه وسالف.. هو مجرىً حيوىٌ كل شىء فيه حىٌّ دافقٌ دومًا وجارف.
نحن نعلق الميراث على الجدار كلوحة «طبيعة ميّتة». عندما تعلق كائنًا حيًّا فأنت تشنقه. بماذا تصف الأمّة، فى تعاملها مع إرثها الكلثومى: «إذا بلغ الفطام لنا رضيع»، ونظرية المتنبى الجيوسياسية: «أعلى الممالك ما يُبنى على الأسلِ» (الرماح العوالى)، حين لا يستطيع أربعمائة مليون عربى، أن ينبسوا ببنت تغريدة شبكيّة، بينما رحى الهيمنة تطحن عظام مئات الألوف من العرب؟ الأمّة متخلفة عن المعتصم اثنى عشر قرنًا، فهو يحيا فى عام 3226. علينا أن نتفاءل، فبعد الانتظار الطويل لحدوث هَبّة فى الجامعة العربية، بشّرتنا بالتحول التاريخى، فقد «طلبت من الإمبراطور كبح جماح إسرائيل فى غزّة». على شركات الإنتاج أن تتلقف الفكرة. بقيت على رمضان ستة أشهر، مدّة كافية لإتحافنا بمسلسل كوميدى يُجلى عن النفس الحزَن.
تلك المجلات المتخصّصة، تُقلّب وقائع الماضى على أوجه جديدة، ولا تركن إلى المسلّمات. هكذا تظل بذور القرون الخالية تغذّى الأجيال بالرؤى الجديدة للقديم. الفيلسوف البريطانى برتراند راسل، قال: «حادثة وقعت قبل أسبوع، بجوار بيتى، رُويت بأشكال شتى، فما بالك بأحداث ما قبل ألفى سنة».
على المثقفين العرب، أن يدركوا أن الميراث الشعرى ليس شعرًا فحسب، لأن أكثر من نصفه أفكار، لا علاقة لها بالخيال الشعرى. قد تعبرون قصائد الفخر والحماسة والرثاء والوصف، مفتونين بالبلاغة، معرضين عمّا هو أوْلى بالتدريس فى الكليات الحربية والعلوم السياسية وإعداد الدبلوماسيين. تترنّح الرؤوس على إيقاع البسيط فى قصيدة «فتح عمّورية»: «السيف أصدق إنباءً من الكتب». ليست صورةً للإنشاء والانتشاء، بينما «بيض صفائح» الجبابرة، تمزّق أوصال الأمّة، تاركةً لها اجترار ما يطيب لها من «سود صحائف» التاريخ.