حادث دمياط.. رسائله وما حوله!

عبد الله السناوي
عبد الله السناوي

آخر تحديث: الأحد 2 أغسطس 2026 - 7:25 م بتوقيت القاهرة

يكتسب حادث دمياط خطورته البالغة من رسائله وتوقيته وما حوله.

لم يكن استهداف سفينتى غاز فى الميناء بمسيّرة عملًا عشوائيًا جرى بالمصادفة!

أوضح ما فى ذلك الحادث هدفه المباشر: توسيع نطاق الحرب الأمريكية الإيرانية إلى حرب إقليمية أوسع تُجرّ إليها مصر بثقلها العسكرى والتاريخى والسكاني.

بمعنى آخر: تفجير المنطقة كلها.

من صاحب المصلحة؟!

هذا سؤال أولى، طبيعى ولازم، لفك شفرة الهجوم.

تتعدد الافتراضات، داخلةً فيها الأهواء والمصالح والتبعات، دون حسمٍ انتظارًا لنتائج التحقيقات التى تجريها السلطات المصرية.

تواترت اتهامات غير مسندة إلى إيران، التى سارعت بالنفى على لسان وزير خارجيتها «عباس عراقجى» بعبارة جازمة: «تعد مصر صديقًا وشريكًا مهمًا فى المنطقة، ويشكل أمنها أهمية قصوى لنا».

وسارعت إلى النفى نفسه جميعُ القوى والفصائل فى لبنان والعراق واليمن التى تنتسب إليها.

بأى فحص أولى، لا توجد لإيران مصلحة واحدة فى استهداف مصر.

على مدى زمنى طويل نسبيًا احتفظت طهران باتصالات غير معلنة مع القاهرة، جرى خلالها التنسيق وتبادل المعلومات فى أكثر من ملف أمنى إقليمى، رغم قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إثر الثورة الإيرانية عام (1979).

وفى التوقيت نفسه، جرت زيارات واتصالات غير معلنة مع حزب الله والحوثيين وفصائل عراقية لضبط إيقاع الأحداث.

وبمضى الوقت أخذت الاتصالات طابعًا سياسيًا شبه رسمى، كانت أهمها زيارة الرئيس الإيرانى الأسبق «محمد خاتمى» للقاهرة عام (2007) ممثلًا للمرشد الراحل «على خامنئى»، لكنها امتنعت عن الاتصالات الدبلوماسية المباشرة حتى أُزيحت جبال الجليد قبل سنوات قليلة.

كان الوصول إلى هذه النقطة هدفا إيرانيًا غاليًا لا يمكن التفريط فيه بمغامرة غير محسوبة العواقب.

عندما بدأ العدوان الأمريكى الإسرائيلى على إيران تبدّت حاجة ملحة لقنوات سياسية وفرتها القاهرة عبر علاقاتها القديمة مع الحرس الثورى.

لم يكن هناك طرف إقليمى آخر قادر على لعب هذا الدور، الذى احتاجه بذات القدر الأمريكيون والإيرانيون.

شاركت تركيا فى فتح قنوات الاتصال، لكنها سرعان ما أُزيحت مع مصر من مقدمة المشهد التفاوضى بتحريض إسرائيلى مباشر، أو عبر بعض الأشقاء المفترضين!

تصدرت باكستان عملية الوساطة، حيث تربطها تقليديًا علاقات خاصة مع السعودية، ويحظى حكامها الجدد بعد الإطاحة برئيس الوزراء السابق «عمران خان» بعلاقات وثيقة مع واشنطن.

فى مارس الماضى تعرضت العلاقات المعقدة بين أنقرة وطهران إلى اختبار صعب حين اخترق صاروخ باليستى إيرانى الأجواء التركية عبر العراق وسوريا.

احتجت الأولى وتعهدت الثانية بالتحقيق، وسرعان ما جرى احتواء الأزمة بالوسائل الدبلوماسية؛ فالمصالح الاستراتيجية حكمت حسابات البلدين.

العلاقات المصرية الإيرانية الحالية جرى نحتها فى الصخر.

الخليج يمانع فى عودتها، رغم أن دوله تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع طهران، إذا انقطعت لسبب أو لآخر سرعان ما تعود.

والغرب كله تقريبًا يمانع فيها.

العاصمتان المصرية والإيرانية تدركان الحقائق وغير مستعدتين لأى تهور يدفع لإحكام الحصار الإقليمى على طهران، أو إقحام القاهرة فى دائرة النار.

إنها المصالح الاستراتيجية قبل أى شىء آخر وبعده.

مع ذلك كله فإن أحدًا ليس من حقه استبعاد أى فرضية فى حادث دمياط.

ثم إن هناك عاملًا حاسمًا يجعل من هذه الفرضية خروجًا عن مقتضى أى درجة من التعقل والرشد، ويضرب الدعم الشعبى فى الشارع العربى كله ــ لا فى مصر وحدها ــ للصمود والتضحيات الإيرانية بما يصعب تدارك عواقبه الوخيمة.

الفرضية الأخرى: أن تكون إسرائيل هى المتهمة الرئيسية فى حادث دمياط بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

إن نزع استهداف سفينتى الغاز فى ميناء دمياط عن سياقه هو تجهيل بحقائق الموقفين الإقليمى والدولى على بُعد أقل من مائة يوم من انتخابات الكنيست الإسرائيلى فى (27) أكتوبر المقبل والتجديد النصفى لمجلسى الكونجرس بعده بأيام فى أوائل نوفمبر.

وفق أحدث استطلاع رأى أمريكى فإن (64%) يناهضون الحرب ويتبنون إنهاءها بأسرع وقت.

المعنى أن استمرار الحرب يفضى إلى زعزعة الموقف الانتخابى للحزب الجمهورى، بينما توقفها يضرب الحملة الانتخابية لتحالف رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو» فى مقتل.

تتضارب المصالح تحت أفق استراتيجى واحد.

بقوة المصالح الانتخابية، فإنه من مصلحة «نتنياهو» القفز فوق التباينات بين الحليفين الإسرائيلى والأمريكى إلى سيناريو توسيع الحرب.

لم تنجح زيارته الأخيرة للبيت الأبيض فى ردم الفجوات، واقتصرت المباحثات على التشاور دون تغيير يذكر فى حسابات الحرب والتفاوض.

توسيع الحرب لتشمل مناطق ساخنة أخرى فى الإقليم (لبنان وسوريا والعراق واليمن وغزة والضفة الغربية) يستجيب لمقتضيات المشروعين التوسعى والاستيطانى الإسرائيليين، لكنه يصطدم بالحسابات الأمريكية الحالية، خاصة فى لبنان وفلسطين المحتلة.

هكذا، فإنه إذا ما جرى إقحام مصر فى دائرة الحرب، فإن كل شىء سوف يختلف: الأولويات والحسابات، ويكون مؤكدًا أن يكسب «نتنياهو» انتخابات الكنيست ورهانه فى البقاء على رأس الحكومة الإسرائيلية.

ما الذى يدعو إسرائيل إلى إشعال فتيل حرب إقليمية واسعة لا تقدر على تكاليفها بفعل الإنهاك الذى يعانى منه جيشها الآن؟

إنها تبتغى الفتنة بين مصر وإيران، وأن تُقحم مصر فى أتون الحرب بذريعة رد ضربة دمياط التى نالت من سلامة موانئها وأمنها القومى معًا.

وفق السوابق الإسرائيلية، فإنها مستعدة لفعل أى شىء وكل شىء لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

بعد حادث دمياط استدعت الذاكرة العامة المصرية فضيحة «لافون» للتذكير بهذه الحقيقة.

فى صيف عام (1954) جرت محاولة لزعزعة الأمن المصرى وتوتير الأوضاع بين مصر وأمريكا بتخريب بعض المنشآت الأمريكية من قبل بعض الشبان اليهود المصريين.

فشلت العملية وقُبض على المتورطين فيها وجرت محاكمتهم علنًا، ونُسبت تلك العملية إلى «بنحاس لافون» وزير الدفاع الإسرائيلى فى ذلك الوقت.

الفرضية الإسرائيلية أكثر تماسكًا وإقناعًا، لكنها تحتاج إلى تأكيد من التحقيقات الرسمية.

وفى جميع الأحوال، فإن الحذر مطلوب من الأفخاخ المنصوبة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved