مسيرة دمياط.. بين «الكلب وذيله» والتخبط الإيرانى

محمد سعد عبدالحفيظ
محمد سعد عبدالحفيظ

آخر تحديث: الأحد 2 أغسطس 2026 - 7:20 م بتوقيت القاهرة

كان أكثر ما لفت النظر فى تعليق رئيس الوزراء مصطفى مدبولى على حادث استهداف سفينتى التغويز قبالة ميناء دمياط بطائرة مسيرة، تلميحه إلى وجود «أطراف تسعى إلى جر دول المنطقة إلى الصراع الدائر».

لم يسم رئيس الوزراء تلك الأطراف، ولم يشر إليها حتى من بعيد، لكنه طرح السؤال الذى شغل بال المصريين منذ وقوع الحادث: «من المستفيد من وصول شرر الحرب الدائرة فى الإقليم إلى قلب بلادهم؟».

فى ذات الليلة، نشر وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى تغريدة ينفى فيها أى صلة لبلاده بالحادث، متهما إسرائيل بشكل مباشر بأنها التى تقف وراء عمليات «تستهدف تقويض السلام الإقليمى».

عراقجى شدد على أن «الأمن المصرى يمثل أولوية لطهران»، وهو التصريح الذى يرى ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام بأنه «يجب التوقف أمامه»، نافيا ما تردد عن تحميل القاهرة إيران مسئولية الهجوم.

وفى الوقت الذى التزمت إسرائيل الرسمية الصمت، نقلت إحدى وسائل الإعلام العربية تصريحا منسوبا إلى مصدر عسكرى إسرائيلى ينفى فيه علاقة تل أبيب بالعملية.

بين هذا النفى وذاك، يبقى من المبكر توجيه الاتهام لأى طرف قبل انتهاء التحقيقات المصرية، التى قد لا تُعلن نتائجها كاملة لاعتبارات تتعلق بمقاصد عليا، دون أن يعنى ذلك أن القاهرة لن ترد بالطريقة التى تراها مناسبة، وفى التوقيت الذى تختاره، وبما يتسق مع موقفها الرافض للانجرار إلى حرب ليست حربها.

بعيدا عن الانحيازات المسبقة، وبغض النظر عن نفى الأطراف محل الاشتباه، فإن قراءة المعطيات على الأرض، وحسابات الربح والخسارة، تظل هى المدخل المنطقى للإجابة عن السؤال المعلق «من المستفيد؟».

لا يخرج نفى عراقجى القاطع إيران من دائرة الاشتباه، فهناك حالة من الارتباك والتخبط داخل دوائر صنع القرار فى طهران، وفيما يفضل تيار محدود مسارات الدبلوماسية، لايزال هناك تيار أوسع متسمك بالخيار شمشون وتوزير الألم والضرر على الجميع.

 قبل الحادث بيوم، نشرت منصات إعلامية إيرانية، تقارير تحدثت عن أهداف محتملة للرد على هجوم أوكرانى استهدف سفينة إيرانية فى بحر قزوين، ووردت فيها إشارات إلى منشآت غاز بدمياط وإدكو.

إلا أن ذلك لا يجعل من طهران المتهم الأول؛ فإيران تعمل منذ سنوات على استعادة علاقاتها مع القاهرة، وتدرك أن استعداءها سيقوض أى فرصة لإحياء هذا المسار، كما سيخل بتوازنات إقليمية تحرص على الحفاظ عليها.

وإذا لم يكن من مصلحة إيران استعداء مصر، فليس من مصلحة حلفائها فى اليمن ولبنان خسارتها، فى ظل وجود قنوات اتصال خلفية وترتيبات تربط القاهرة بالطرفين.

أما إسرائيل، فهى الطرف الذى يملك المصلحة السياسية والاستراتيجية الأكثر وضوحا فى توسيع دائرة الحرب؛ فمنذ اندلاع المواجهة مع إيران، لم تتوقف حكومة نتنياهو عن السعى لتحويلها إلى حرب إقليمية تنخرط فيها دول المنطقة، لكنها اصطدمت برفض معظم العواصم العربية، وفى مقدمتها القاهرة.

تدرك مصر أن انخراطها فى هذه الحرب لن يخدم سوى إسرائيل؛ فإضعاف إيران يحقق هدفا استراتيجيا لتل أبيب، كما يحقق استنزاف القوة العسكرية المصرية هدفا آخر لا يقل أهمية. عندها تكون إسرائيل قد ضربت خصمين بحجر واحد، واقتربت خطوة إضافية من تكريس نفسها كقوة مهيمنة بالشرق الأوسط.

لم تكن هذه القراءة حكرا على القاهرة؛ ففى الأيام الأولى للحرب، حذر رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق الأمير تركى الفيصل من أن إسرائيل كانت تسعى إلى جر المملكة إلى مواجهة مع إيران، مؤكدا أن نجاح هذا المخطط كان سيقود إلى دمار شامل، ويجعل إسرائيل القوة الوحيدة المهيمنة فى المنطقة.

الفيصل قال إن هذه الحرب «ليست حربنا»، بل حرب نتنياهو الذى أقنع ترامب بشنها، مضيفا عبارته اللافتة: «إنهم يشبهون قصة الكلب وذيله».

تتقاطع هذه القراءة مع ما يبدو أنه تقدير راسخ داخل المؤسسات المصرية؛ فجر الدول العربية إلى مواجهة مع إيران، وتحويل الصراع إلى حرب سنية - شيعية، يصب مباشرة فى صالح إسرائيل التى تمتلك سجلا طويلا فى تنفيذ عمليات إرهابية وإلصاقها بآخرين.

قد تكشف التحقيقات يوما هوية المسيرة التى استهدفت دمياط، وقد يظل الأمر محاطا بالغموض لكن هوية المستفيد تبدو أقل غموضا، فمنذ اندلاع الحرب، لم يخف «الكلب وذيله» سعيهما إلى تحويلها إلى حرب إقليمية تنخرط فيها الدول العربية السنية ضد إيران الشيعية.

وإذا كانت طهران، التى يبدو أن بعض دوائرها فقدت قدرا من رشدها السياسى، ستخسر استراتيجيا من دخول مصر أتون المعركة، فإن إسرائيل ستكون الرابح الأكبر. فهى ستكسب بإضعاف إيران، وستكسب مرة أخرى باستنزاف أكبر قوة عسكرية عربية فى معركة لا تخدم إلا مشروعها الإقليمى.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved