فى متعة الرسالة

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 2 سبتمبر 2014 - 2:34 م بتوقيت القاهرة

على حافة النص وقفت.. هذه رسالة حقا، رسالة فى زمن الواتس آب والتويتر والفايسبوك والمقتطفات التى أصبحت تسمى رسائل، تصلك رسالة.. تقف مندهشا وكأنه اختراع بعيد أو طويل.. لا تكتفى بأن تقرأها على جهازك بل تطبعها وتقرأها.. ثم تكرر القراءة كأنك تعيش تلك اللحظة البعيدة تبدو اليوم أكثر بعدا رغم أنها تسكن القلب ولكن إيقاع الحياة قد أبعدها أحيانا.. ما أن تخلو إلى نفسك حتى تتداعى الصور، تصطف بترتيباتها الأولى أو ربما تتصادم من شدة عشقك لتلك اللحظات..

•••

بين نظراتهم التجسسية كانت تتسلل الرسائل واحدة تلو الأخرى تختفى بعض الشىء وتعود كلما اخترعوا حاجزا اخترعت أنت ألف كوة فى جدرانهم لتأتيك تلك الرسائل المحملة بالكثير من المشاعر والأخبار.. قالوا فى زمان الزمان لا تُعلم الفتاة حتى لا تكتب رسائل حب لابن الجيران أو غيره, ضحكت الفتيات منهن تعلمن جميعا القراءة والكتابة ليس فقط لتبادل المشاعر الجياشة ولكن أيضا للتواصل مع الرفاق والأصدقاء والصديقات ومعرفة ما يجرى فى الوطن وخارجه ومواجهة الاستعمار قبلها وبعدها الاستعمارات الجديدة، كلها واحدة كلها ممارسة القمع بنفس الدرجات إن لم يكن أكثر!!! واختلاس النظرات وفنون التخابر والتجسس فقط على المواطن والمواطنة!

كانت أعين الرقيب مسمرة على الرسائل القادمة بعضهم يبحث عن دليل إدانة أو خطط سياسية وآخر يبحث عن إدانة عاطفية.. تساوت الرقابات المتعددة وقف الرقيب يشهر سيفه وعينيه وكل حواسه ينبش خلف الحرف ويبحث ما وراء الفاصلة.. يشم رائحة الورق ويتساءل «هاه معطرة هى إذن فهذا دليل الجريمة!

الرسائل حينها كانت أدوات تصل فى خطورة سيوف داعش وخناجرها.. كم مضحكة تلك العقلية كم كان الرقيب عنيفا ففيما يبحث بين رسائل النساء والرفاق، فيما كانوا هم يمارسون الصلوات والخطابات علانية فى بيوت سميت بيوت لله وحدها وأصبحت مراكز لتعليم الكراهية والحقد باسم الدين أيضا نعم باسم ذاك الدين فقط!

•••

تعود الى رسالتك هذه قصيرة بعض الشىء هى، قلت كنت تتمنى أن يطيل فى الكلام وهو الكاتب والقارئ والناشر.. ذاك الذى يتربع فى قلبك منذ سنين عندما تعلمتى أولى أدوات الكتابة الصحفية وكان هو أستاذك ومعلمك.. تضحك من باطن قلبك رغم أن الضحكة شحت هذه الأيام حتى اختفت من الوجوه الباسمة دوما، تتذكره بكل تفاصيل لقائكم وسعادتك التى لم تعرفها كثيرا بعد ذلك عندما اتصل بك ولم ينتظر حتى يرسل رسالة ليخبرك بأن مقابلتك له هى الأفضل والأجمل والأكثر مهنية من بين كل المقابلات التى أجريت معه. يومها حلقت فى سموات وتسللت بين نجوم سماء صافية وقفت تتأملين وكتبت رسالة مطولة تخبرى البعيد والقريب بذاك الخبر..

دون مقدمات تفتح رسالته صندوق الذكريات المخبأ هناك فى الركن البعيد، تتداعى الصور لزمن كان فى انتظارها وقع الشهد رغم صعوبته.. تجد فى ركن من أدراج غرفتك رزما من الرسائل كلها من ذاك الذى كان يتقن فن التواصل بها حين كان حتى التخابر عبر الهاتف شديد الصعوبة وفرق الساعات الطويلة فى الزمن بين تلك المدينة لا يسمح بالاتصال والرقيب فى يقظته الدائمة! كنت تتمنى أن تكون بلغتك التى تعشق بالعربية ولكن؟ ورغم ذلك بقيت تلك الرسائل تتوافد لم تتوقف وأنت تكتب وهو يكتب أكثر والبريد المستعجل تعب من كثرة جواباتنا!.

•••

هو فن قالوا وكتبوا الكثير عنه.. يقول الروائى ابراهيم عبدالمجيد إن «أدب الرسائل أدب عظيم جدا فى العالم كله، وقديم، وهناك بعض الكتاب يبنون أعمالهم الأدبية على الرسائل، إضافة إلى أن هناك كتبا تحوى رسائل الأصدقاء الكتاب مع بعضهم بعضا، ونذكر هنا ما يتعلق بأدب الرسائل هنرى ميللر ومراسلاته مع دى اتش لورانس.. كذلك رسائل الكاتب الفلسطينى غسان كنفانى والكاتبة الكبيرة غادة السمان، لكن المشكلة أن هذه الرسائل عادة لا تنشر، لأن بها صراحة لا يحتملها المجتمع العربى، لذا يحجم كثير من الكتاب عن نشرها خوفا من مجتمعاتهم».

أما فواز طرابلسى فيقول بأن أدب الرسائل هو أدب نهضوى «نهضوى لأنه درج إبان النهضة العربية فى مرحلتيها المتأخرة والمتقدمة، ونهضوى أيضا بمعنى النبرة الفردية والثقة بمفعول الكلمة وبأهمية التبادل والحوار. ونهضوى أيضا وأيضا لتطلبه النور الذى يملأ هذه الصفحات».

تبقى الرسائل تتسلل بين كل هذا الكم من أدوات التواصل المقتضبة ومنزوعة المشاعر والرقة كثيرة الواقعية الفجة، وتبقى عيونهم مجتمعات وتجمعات وأجهزة متربصة تحرم تلك المتعة شديدة الجمال والرقة والبراءة..

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved