الكاميرا الخفيّة

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 2 سبتمبر 2021 - 8:55 م بتوقيت القاهرة

في ذاكرة الكثيرين منّا فإن الكاميرا الخفية هي الكاميرا الساخرة التي يفاجئ مَن يحملونها الناس في الطريق العام بمواقف لم يتوقعونها فتأتي انفعالاتهم الطبيعية مثيرة للضحك والسخرية. هذه الكاميرا الخفية انتقلت إلى بلداننا العربية من خارجها فأضفنا إليها كعادتنا لمسة المبالغة في كل شيء إلى حد تحولّت معه إلى كاميرا محرجة ومزعجة وشريرة، بل هي حتى فقدت التلقائية التي كانت تميزها وكان يتفجر الضحك من تحت رأسها إذ أصبح هناك اتفاق مسبق على أن يدّعي الناس أنهم فوجئوا مقابل مبالغ مالية محترمة، لذلك كله ارتفعت أصوات تطالب بوقف برامج الكاميرا الخفية. أما كاميرا هذا المقال فإنها طيبة.. طيبة جدًا، تسللت إلى دخيلة صاحبنا دون أن يدري والتقطت صورة لروحه الطفلة في لحظة كان يظن فيها أنه بمفرده وأن لا أحد يراه.
•••
فَتَحَت المعاوِنة الآسيوية الباب لجار الطابق الرابع فدلف إلى الداخل بطلّته المهيبة وجديته الفائقة. جار في حاله تمامًا يتجنب الاختلاط، لا يعرف أحد عنه شيئًا إلا أنه أستاذ جامعي وكذلك زوجته وله بنت وولد في المرحلة الثانوية، وعدا هذا غموض.. غموض تام. في البداية حاول بعض الجيران استدراجه للتزاور وتبادل العاشوراء والكحك والذي منه في المناسبات والأعياد، لكن لا هو استجاب ولا استجاب أي من أفراد أسرته وظلوا أسرى العيش في قوقعتهم أو كما يحلو لشباب هذه الأيام وصف العزلة بالفقاعة bubble. وبالتدريج فَقَدَ الجيران الأمل فيه، معظمهم اعتبره انطوائيًا وغير اجتماعي بالمرة، لكن آخرين وصفوه بالغرور وتساءلوا بينهم وبين أنفسهم بماذا يغتّر بالضبط وكل سكان العمارة من نفس الطبقة الوسطى، فيهم الطبيب والمهندس والقاضي، ومنهم من التقى به صدفةً في خدمة العملاء الممَيزين في البنك إياه والأرجح أنهم ارتاحوا لأن الرسالة التي وصلته هي أنه لا ميزة له على أحد فكلهم من أصحاب الودائع المحترمة. ولذلك كله انتابت المعاونة الحيرة من الخطوة العزيزة للجار غريب الأطوار، فليس بينه وبينهم مجاملات، فما أنزله إذن من الرابع للثاني؟ هزّت كتفيها بلامبالاة فالأمر في الأول والآخر لا يعنيها ثم أن كل شيء سوف ينكشف ويبان بعد قليل.
•••
عوّض غياب المعاونة في الداخل لاستدعاء مخدوميها حضور كلاسي الكلب الچيرمان شبرد الذي اشترته الأسرة منذ شهور استعدادًا للانتقال إلى التجمع الخامس. هو كلب حراسة بامتياز، لا يترك غريبًا يمر بباب الشقة أو عامل سوبرماركت يدلف إلى الداخل إلا ويتحفز وينبح وينقضّ وقد يعقر. رغم شكوى الجيران المتكررة من النباح الذي لا يكاد ينقطع ليل نهار، لم يشكُ صاحبنا مثلهم مع أنه بالتأكيد لم يكن سعيدًا باختراق هذه الذبذبات الغريبة جدار قوقعته الأسرية، وكل ما فعله حين اعتذر له الابن الشاب بالصدفة عن أي إزعاج يكون قد تسبب فيه صوت كلاسي خاصة أنه من الكلاب التي تحب سماع صوتها، كل ما فعله كان أن رد على الشاب المهذّب باقتضاب وبرود في الوقت نفسه: هو يحب سماع صوته، أنا لا.
•••
ظهر كلاسي على مسرح الأحداث فالتقطَت الكاميرات التي ثبتتها الأسرة في كل مكان بالشقة لمراقبة سلوك المعاونة مع الأطفال أثناء غياب الوالدَين في العمل، التقطت مشهدًا غريبًا عليها صار هو حديث الجيران في الأدوار الخمسة. ما أن رأى كلاسي صاحبنا يجلس في الصالة يفكر وينتظر حتى أسرع إليه لاهثًا وذيله يهتز بلا توقُف كمثل بندول الساعة ثم وفي لمح البصر تسلقه ولعقه وتمسّح به. كل الكائنات لها طريقتها الخاصة في التعبير عن حبها، وواضح جدًا أن هناك علاقة غرام بين صاحبنا والكلب الچيرمان شبرد. ومع أن الكاميرات لا تنقل حركة ملامح الوجه بالضبط إلا أن سعادة صاحبنا بلقاء كلاسي كانت أوضح مما يمكن إخفاؤه، يقولون إن الصبّ تفضحه عيونه وهذا الصبّ كان مفضوحًا بالعين والفم والذراعين وكل شيء.. كل شيء، ففرحته بالكلب كانت حقيقية. ما هذا بالضبط بل مَن هذا بالضبط؟ نزع كلاسي قناع الجهامة عن وجه صاحبنا فإذا به إنسان طبيعي يهّش ويداعب ويحنو ويضحك. كشفت الكاميرات الخفية عن شخصية مناقضة تمامًا لتلك الشخصية التي يتقمصها صاحبنا بل ويجعل منها علامة مسجّلة لأسرته بالكامل. وهكذا هم الناس، البعض منهم يحاول استدرار العطف بمظهر خارجي متداعٍ، والبعض الآخر يحاول انتزاع الهيبة بمظهر خارجي صارم، البعض والبعض.. وقليل من الناس يخرج إلينا دون قناع.
•••
مع صوت دبيب قدمّي رب البيت في اتجاه الصالة تكهرب الجو وابتعد صاحبنا عن الكلب بل ودفعه عنه بشيء من الجفوة وعيناه تعتذران، إنه لا يريد أن يبدو على غير الصورة التي رسمها لنفسه، لكن الكلب لم يفهم الرسالة وكيف بالله يمكنه أن يفهم؟ إن بينه وبين هذا الرجل علاقة صداقة لا أحد يعرف ملابساتها ولا متى أو أين تكوّنت وفي أى ظروف، لكن هذه الصداقة حقيقية وهي ليست وليدة الصدفة، وكل الكلاب أوفياء لأصدقائهم. ولذلك فكلما ابتعد صاحبنا عن كلاسي التصق به الأخير حتى إذا وصل إليه رب البيت وحيّاه ارتبك وأُسقِط في يديه. بدا كما لو كان السبب الذي دعاه للنزول إلى الطابق الثاني قد طار من عقله تمامًا وهذه كارثة في حد ذاتها، إذ كيف يفسّر وجوده هنا وليس بينه وبين أصحاب الشقة زيارات أو ود متصل، لم تجُد عليه قريحته بالسبب الحقيقي للزيارة فقرر أن يفتح مع جاره مشكلة الركن في الشارع التي أصبحت لا تطاق إلى حد تعطيل الذهاب للعمل أحيانًا، فكل أسرة لديها سيارتان وأحيانًا ثلاث والأزمة تتفاقم.. لكن هل يصدّقه رب البيت؟ بل هل يصدّق هو نفسه؟ منذ متى وهو يطّب على جيرانه هكذا دون سابق إنذار ليتناقش معهم في قضية مشتركة؟ عادة توجد آليات محددة للتعامل مع هذا النوع من القضايا، ليس من بينها الزيارات المفاجئة. وبينما كانت هذه الفوضي تعتمل داخل نفس صاحبنا فإن رب البيت كان ذهنه في مكان آخر تمامًا، فلقد رأى بأم عينيه هذه الألفة الشديدة بين جاره وبين كلاسي فمن أين تراها أتت؟ أتكون قد نشأَت وتطوَرَت أثناء خروج المعاونة لتمشية الكلب كل مساء؟ وإن صحّ ذلك فلماذا إذن تضرر الدكتور من نباح كلاسي وقال بالفم الملآن إنه لا يحب صوته؟ إن الحب إما أنه موجود أو غير موجود ولا يُعقل أن يحب صاحبنا الكلب ويكره صوته. يالها من جلسة عجيبة جدًا، أحد طرفيها نسى لماذا هو موجود في هذا المكان بالضبط والآخر مهتم بأمور لا علاقة لها بسبب الزيارة، والحوار بين هذا وذاك أشبه ما يكون بحوار الطرشان.
•••
في المساء التفّت الأسرة لمشاهدة الشريط الذي صوّرته الكاميرات الخفية ضاربةً كفًا بكف، فها هو الجار يفتح ذراعيه على آخرهما لكلاسي فيستكين بينهما ويتدلل، يعانقه كطفل ويمسح على ظهره ويخفف من ضغط الطوق على رقبته. يغيب كلاسي قليلا ويعود حاملًا كرة حمراء صغيرة يلقيها في حِجر صاحبنا فيتلفت حوله ويستطلع المكان في حذر وبعد أن يتأكد أن كله تمام يلقي بالكرة بعيدًا ليركض كلاسي من ورائها ويلتقطها وتتكرر اللعبة. أيّ الرجلين أنت أيها الجار الغريب الساكن في الطابق الرابع؟ هل أنت الإنسان الانطوائي المغرور المتجهم دائمًا أم أنت الإنسان الودود البشوش الذي يذوب حنانًا وهو يلاعب كلب الجيران أم أنت الشخصين معًا؟ لم يشفِ الدكتور الغامض غليل الأسرة، والأدّق أنه لم تُتَح لها الفرصة للتعرف على حقيقته، نزَحَت إلى التجمع الخامس كما قرَرَت وتركَت مسؤولية البحث عن الإجابة لباقي الجيران.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved