كواليس السلطة.. عندما يصبح الصحفى طُعمًا أمنيًا
جيهان فاروق الحسيني
آخر تحديث:
الأربعاء 2 سبتمبر 2026 - 7:26 م
بتوقيت القاهرة
لا تظن مطلقًا أن القرب من مراكز القرار يمنحك حصانة تلقائية، ففى عالم السياسة والأمن، تُحسب الأمور بموازين مختلفة تمامًا. ففى لحظة خاطفة، قد تجد نفسك مقيمًا فى فندق يحمل اسم مسئول لتمويه المستهدفين، أو متروكًا على متن طائرة رسمية ليصبح وجودك جزءًا من غطاء تمويهى يحمى المسئول المستهدف.
العمل فى الصحافة ليس مجرد تغطية إعلامية للحدث أو مقعد فى قاعة مؤتمرات، بل رحلة طويلة فى كواليس السلطة، إنها مهنة قد تجعلك تعيش الخطر وجهًا لوجه، وتدرك فى لحظات مفصلية كيف تُدار الحسابات الأمنية بمنطق مختلف عن الحسابات الإنسانية والمهنية.
ولعل خير مثال على ذلك، ما تردد مؤخرًا بشأن واقعة نقل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب سرًا فى مطار أنقرة فى 8 يوليو الماضى، باستخدام شاحنة طعام لتموين الأغذية (Catering Truck)، عندما أُخرج لنقله إلى طائرة أخرى، بينما بقى الفريق الصحفى والمستشارون والمرافقون على متن الطائرة الرئاسية الأساسية، من دون علمهم بأن الرئيس غادرها، لتتحول الطائرة التى تقلهم إلى جزء من عملية التمويه.
وبغض النظر عن تفاصيل تلك الواقعة وتفسيراتها، فإنها أعادت إلى ذاكرتى، خلال عملى الصحفى، تجارب ميدانية عشتها على مدار عقود، وجعلتنى أتساءل مجددًا: أين يقف الصحفى فى الحسابات الأمنية عندما يصبح وجوده جزءًا من المشهد؟
بغداد.. فندق الخدعة والستائر المغلقة
ومن بين تلك التجارب، أتذكر زيارة إلى بغداد عقب سقوط النظام، رافقنا خلالها السيد عمرو موسى، الأمين العام لجامعة الدول العربية آنذاك.
فى تلك الزيارة، كان السيد عمرو موسى والوفد الدبلوماسى فى مقر آمن ومحصن بالكامل داخل «المنطقة الخضراء»، بينما كنا نحن، الفريق الصحفى والمرافقون، ننام فى فندق خارجى وسط العاصمة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الفصل الأمنى، بل عُلّقت على واجهة فندقنا لافتة ضخمة ترحب بالسيد عمرو موسى، بما يوحى بأن الفندق هو مقر إقامته الفعلى أمام وسائل الإعلام والجماعات المسلحة على حد سواء.
كنا نعيش حالة استنفار دائم؛ فقد صدرت إلينا تعليمات أمنية مشددة، من بينها إغلاق الستائر تمامًا فور حلول الليل، وعدم إضاءة أنوار غرفنا ليلًا إلا للضرورة، وعدم الخروج إلى الشرفات، تجنبًا لنيران القناصة أو أى استهداف مباشر.
وفى اليوم الأخير من الزيارة، وأثناء وجودنا فى السليمانية، التفتُّ إلى المرافق الامنى للسيد عمرو موسى ، وسألت عن سر وضع لافتة باسم المسئول على فندق لا يقيم فيه، بينما ننام نحن داخله.
جاءنى رد المرافق الأمنى، ومن دون مواربة:
«كان ذلك تمويهًا مقصودًا لحمايته وتغطية مكان إقامته الحقيقى».
فى تلك اللحظة، بدا لنا، ببساطة، أن وجودنا فى الفندق كان جزءًا من عملية التمويه؛ وأننا، من دون أن نكون طرفًا فى القرار، أصبحنا جزءًا من الغطاء الذى أخفى مكان إقامة الهدف الحقيقى.
شرم الشيخ.. حين يعرف المسئول
لكن من ناحية ثانية فهناك أحيانا فارق كبير بين صرامة ورتابة الإجراءات الأمنية وحس المسئول نفسه.
أذكر فى إحدى المرات، فى شرم الشيخ، أننا كنا نجلس مع الرئيس حسنى مبارك، فسألنا ببساطة:
«إنتوا هتسافروا إمتى؟»
فرددت عليه مباشرة:
«إحنا مضطرين نستنى ونسافر بالليل متأخر علشان ميعاد الطيارة».
فور سماعه ذلك، أصدر تعليمات مباشرة ومستعجلة بحجز طائرة خاصة من طائرات الرئاسة لنقل الصحفيين الذين يرغبون فى العودة إلى القاهرة.
كان الموقف بالنسبة إلى كاشفًا، فالمشكلة لم تكن دائمًا فى غياب الرعاية، بقدر ما كانت أحيانًا فى أن التفاصيل قد لا تصل إلى صاحب القرار. وما إن عرف بها حتى تغير الأمر فى لحظته.
أولبرايت.. حين لا يكون الصحفى هامشيًا
وفى شرم الشيخ نفسها، شهدت موقفًا آخر ظل عالقًا فى ذاكرتى، وأثبت لى أن التعامل مع الصحفى قد يكون ثقافة قيادية قبل أن يكون مجرد إجراء أمنى.
فى أحد المؤتمرات، وبعد انتهاء المؤتمر الصحفى وفراغ المبنى تقريبًا من الوفود، لفت نظرى بقاء وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، مادلين أولبرايت، جالسة فى إحدى القاعات ومنتظرة.
وعندما تساءلت بدهشة عن سبب انتظارها فى مبنى أوشك على الإغلاق، جاءتنى الإجابة:
«إنها تنتظر الوفد الصحفى الأمريكى المرافق لها حتى ينهى عمله ويرسل تغطيته، ليرحلوا جميعًا معًا».
ورغم مآخذى على السيدة أولبرايت، فإن هذا الموقف ظل فارقًا فى ذاكرتى، فقد لخص الفارق بين من يتعامل مع الصحفى باعتباره عنصرًا هامشيًا، وبين من يراه جزءًا أصيلًا من الوفد، لا يمكن إهماله أو تركه خلف الظهر.
وبعيدًا عن ترتيبات المنظومة الامنية وحساباتها، فإن الصحفى المتمرس يتقن التعامل مع ترتيبات «السلطة الرابعة».
فسواء ما حدث مؤخرًا فى أنقرة مع ترامب، أو ما شهدناه سابقًا فى بغداد مع زيارة عمرو موسى، يتضح أن الصحافة مهنة قد تضعنا فى قلب الخطر، وتجعلنا أحيانًا جزءًا من تدابير الأمن؛ وربما هذا هو السبب الرئيسى لوصفها بـ«مهنة المتاعب»، لكنها فى المقابل تمنحنا امتيازًا استثنائيًا: قوة الوصول إلى أعلى رءوس السلطة ودوائر صنع القرار، وقدرتنا على مساءلة من يملكون أقصى درجات القوة ــ حين نمارسها بمهنية وشجاعة ــ .. كما حدث مع نيكسون، الذى استقال على خلفية فضيحة «ووترجيت» التى كشفتها الصحافة، بالرغم من أنه كان ولا يزال واحدًا من أقوى الرؤساء الأمريكيين.
وهكذا، قد يجد الصحفى نفسه فى لحظة «طُعمًا» فى حسابات الأمن، لكنه يظل فى لحظة أخرى «عينًا» على السلطة، وتلك ــ فى تقديرى ــ واحدة من أكثر مفارقات «مهنة المتاعب» إثارة.