«كارلوس ألزامورا».. إنسان العالم الثالث

وليد محمود عبد الناصر
وليد محمود عبد الناصر

آخر تحديث: الأربعاء 2 سبتمبر 2026 - 7:20 م بتوقيت القاهرة

رحل عن عالمنا مؤخرًا عن عمر اقترب من المائة عام واحد من الشخصيات الهامة التى لعبت دورًا بارزًا وتركت بصماتها الواضحة فى التاريخ المعاصر لحركة بلدان العالم الثالث، التى تسمى أيضًا بلدان الجنوب، والتى تضم بلدان إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وفى نضال تلك البلدان وشعوبها لبناء نظام عالمى أكثر عدلًا وإنصافًا وتوازنًا فى تحقيق مصالح مختلف دول العالم، على تباين مستويات التنمية والنمو بها، عقب نهاية الحرب العالمية الثانية وخلال زمن الحرب الباردة وفى فترة ما بعد الحرب الباردة وفى ظل محاولات لبناء نظام عالمى جديد، وهو الدبلوماسى ثم السفير البيروانى المخضرم والمتميز والمسئول الرفيع المستوى سابقًا فى أمانة الأمم المتحدة السفير/ «كارلوس ألزامورا».

ولقد ولد السفير/ كارلوس ألزامورا فى العاصمة البيروانية ليما فى عام 1926، وكان والده السيد «كارلوس ألزامورا إلستر»، المنحدر من أسرة ارتبطت ارتباطًا وثيقًا على مدار السنين بمهنة المحاماة وبالعمل فى السياسة، قد شغل منصب وزير مرتين وفى حكومتين مختلفتين فى بيرو، كذلك كان جده السيد «ليزارْدو ألزامورا مايو»، قاضيًا بارزًا وسياسيًا مرموقًا له شأنه فى بيرو. وحتى فى زيجته الأولى التى تمت فى عام 1959، فقد ارتبط بالسيدة/ خوانا ليجويا جوتييريث، والتى كانت حفيدة الرئيس البيروانى الأسبق «أوجوستو ب. ليجويا»، وإن كان قد انفصل عنها لاحقًا وعاد وتزوج فى عام 1979 من السيدة/ «روساريو ألفارادو بيركيمير»، والتى عملت مترجمة فى منظمة الأمم المتحدة فى نيويورك.

وعلى المستوى التعليمى فقد تلقى السفير/ كارلوس ألزامورا تعليمه فى مدرسة «ساجرادوس كوراثونيس ريكوليتا»، ثم أكمل تعليمه الجامعى فى الجامعة البابوية الكاثوليكية فى بيرو، حيث حصل على درجة ليسانس الحقوق فى القانون منها فى عام 1951. ثم تابع الدراسات العليا فى الجامعة الوطنية فى «أسونسيون»، وأكمل دراسات متخصصة فى جامعة تشيلى وفى جامعة «هيسبانو أمريكانا دى سانتا ماريا دى لا رابيدا».

وعلى الصعيد الوظيفى، التحق السفير/ كارلوس ألزامورا فى عام 1943 بالخدمة المدنية فى وزارة الخارجية البيروانية، وسرعان ما التحق فى عام 1948 بالسلك الدبلوماسى البيروانى؛ حيث عمل كدبلوماسى شاب فى عدة سفارات لبيرو لدى عدد من الدول ذات العلاقات المتميزة مع بلاده، مثل فى العاصمة الإكوادورية كيتو والعاصمة الأمريكية واشنطن والعاصمة الإيطالية روما، وذلك خلال الفترة ما بين عامى 1949 و1955، أما خلال الفترة التالية لذلك، أى ما بين عامى 1959 و1967، فقد عمل كمستشار فى سفارة بلاده فى العاصمة البوليفية لاباز، ثم وزيرًا مفوضًا فى سفارة بيرو فى العاصمة البرازيلية برازيليا، ومنها عاد للعمل بسفارة بلاده فى واشنطن، ولكن هذه المرة كوزير مفوض، وفى عام 1968، تم ترقيته إلى درجة «سفير»، ثم عينته الحكومة البيروانية فى وظيفة وكيل وزارة الخارجية للشئون الاقتصادية، وعمل مديرًا تنفيذيا مناوبًا فى البنك الدولى، أحد مؤسسات بريتون وودز، وترأس أول بعثة تجارية لبيرو إلى الصين فى عام 1972.

وبعد ذلك التاريخ جاءت نقطة تحول جديدة فى الحياة الوظيفية والمسيرة الدبلوماسية للسفير/ كارلوس ألزامورا، وهو انتقاله من العمل الدبلوماسى الثنائى إلى العمل الدبلوماسى المتعدد الأطراف، حيث تم تعيينه من قبل حكومة بيرو مندوبًا دائمًا لبيرو لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى فى جنيف، وهو منصب استمر يشغله حتى عام 1975، عندما قررت حكومة بلاده نقله للعمل مندوبًا دائمًا لبلاده لدى الأمم المتحدة فى نيويورك، وهو منصب شغله مرتين/ الأولى كانت ما بين عامى 1975 و1978، والثانية كانت خلال عامى 1979 و1980، وخلال عمله فى نيويورك جرى انتخابه مرتين لشغل منصب نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك فى عامى 1975 و1977.

وإن كان بعد عودته للعمل بديوان وزارة الخارجية البيروانية فى ليما قد تم تعيينه أمينًا دائمًا للنظام الاقتصادى لأمريكيا اللاتينية ودول الكاريبى (سيلا)، وذلك ما بين عامى 1980 و1983، فإن ذلك كانت بغرض الاستفادة من خبراته العريضة والعميقة والمتراكمة فى كل من الموضوعات الخاصة بالعلاقات الاقتصادية الدولية والإقليمية وكذلك فى المسائل المتعلقة بالعمل الدبلوماسى متعدد الأطراف.

وفى كل الأحوال فسرعان ما تم تعيينه لمرة ثالثة مندوبًا دائمًا لبلاده لدى الأمم المتحدة فى نيويورك ما بين عامى 1985 و1989، حيث مثل بلاده بهذه الصفة فى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة خلال عضوية بيرو بالمجلس فى عامى 1985 و1986.
ويجب أن نتوقف هنا، وخلال تلك الفترة تحديدًا، لنذكر أنه خلال وجود السفير / كارلوس ألزامورا مندوبًا دائمًا لبلاده لدى الأمم المتحدة فى نيويورك، كان له دور بارز فى إقناع الرئيس البيروانى فى ذلك الوقت «آلان جارسيا»، بأن تكون بلاده فى طليعة الدول التى تتبنى مبادرة إنشاء «مجموعة الخمسة عشر للتعاون والتنسيق فيما بين الدول النامية»، والتى خرجت إلى الوجود فى عام 1989، وكان لبيرو نشاط كبير فى اقتراح وتنفيذ مشروعات وبرامج مشتركة لدول المجموعة فى تلك الحقبة، وإن كانت بيرو قد خرجت من عضوية المجموعة فى عام 2011 بعد انتهاء حكم الرئيس «آلان جارسيا».

وعقب غزو العراق للكويت فى 2 أغسطس 1990، وضمن عدد من قراراته الهامة فى تلك الفترة، أنشأ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لجنة للتعويضات للتعامل مع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الحرب والتى تضرر منها أكثر من مائة دولة فى العالم فى ذلك الوقت، وقام الأمين العام للأمم المتحدة فى ذلك الوقت البيروانى "بيريز دى كويلار" بتعيين السفير/ كارلوس ألزامورا أمينًا تنفيذيًا لهذه اللجنة التابعة لمجلس الأمن، حيث شغل هذا المنصب ما بين عامى 1991 و1996.

وهنا أتوقف مرة أخرى من واقع التشرف بخبرة العمل تحت رئاسة السفير/ ألزامورا فى هذه اللجنة لمدة اقتربت من الخمس سنوات، وما عايشته شخصيًا ووظيفيًا من حرص كبير وشديد لديه على مراعاة اعتبارات العدالة والإنصاف واتباع القواعد المعمول بها فى التعامل مع ذلك الملف المعقد والشائك فى نفس الوقت، حيث أن مجلس الأمن كان قد أقر بالفعل فى قراراته بمسئولية العراق القانونية عن كل الخسائر والأضرار التى نتجت عن غزو العراق للكويت وعن فترة احتلال العراق للكويت، دون المسئولية عن الأضرار الناتجة عن العقوبات التى تم فرضها على العراق فى ذلك الوقت، إلا إذا كانت أيضًا ناتجة عن الغزو والاحتلال.

إلا أن السفير/ كارلوس ألزامورا أصر على ألا يكون دور لجنة الأمم المتحدة للتعويضات مجرد عملًا إداريًا صرفًا، بل ركز على ضرورة التركيز بشكل متوازن على البعدين القانونى والسياسى لعملية التعويضات برمتها، كما حرص على أن يكون للعراق دورًا فى هذه العملية ورفض استبعاده أو تهميشه، كذلك كان حريصًا على عدم خضوع اللجنة أو انصياعها لضغوط الدول الكبرى من أى جانب، وبالمقابل، كان مهتمًا بشكل خاص بالجانب الإنسانى لعمل اللجنة وولايتها متمثلًا فى مطالبات التعويضات من جانب الأفراد الذين بلغوا الملايين من جنسيات كثيرة، ونجح فى دفع مطالبات الأفراد ليكون لها الأولوية فى المعالجة لطابعها الإنسانى وتأجيل مطالبات التعويض من جانب الشركات والحكومات للمرحلة التالية.

وفى عام 2001 قررت حكومة الرئيس المؤقت «فالنتين بانياجوا» الاستعانة مجددًا بالسفير/ كارلوس ألزامورا وتوظيف خبراته وعلاقاته الدولية الهامة والمتشعبة، فتم تعيينه كسفير لبلاده لدى الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت تلك هى المحطة الأخيرة فى الحياة الوظيفية البيروانية والأمريكية اللاتينية والدولية فى مسيرة ثرية وحافلة بالعطاء والتأثير والإنجازات، دائمًا ما كانت تعكس قناعات السفير/ ألزامورا العميقة بقدرة بلدان الجنوب على التأثير على النظام الدولى إذا ما توافرت الإرادة السياسية لديها وإذا نسقت وتعاونت فيما بينها.

رحم الله السفير/ كارلوس ألزامورا وأبقى عطاءه السياسى والدبلوماسى نبراسًا تتعلم وتستفيد منه أجيال وأجيال من الشباب، خاصة من شباب الدبلوماسيين فى بلدان العالم الثالث وفى المنظمات الدولية والإقليمية، حتى يومنوا ويثقوا فى قدرات بلدان وشعوب الجنوب، خاصة عندما تخلص النوايا وتصفى النفوس، ويتم بناء آليات مؤسسية متماسكة وقوية للتشاور والتعاون والتنسيق فيما بينها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved