لبنان بين مسار إسلام آباد وهاوية تل أبيب
أحمد فاضل يعقوب
آخر تحديث:
الأربعاء 2 سبتمبر 2026 - 8:07 م
بتوقيت القاهرة
ذكر السفير الأمريكى لدى تركيا، والمبعوث الخاص لسوريا توم باراك فى 24 أغسطس 2026 أهمية أن يكون حزب الله وإيران على مائدة التفاوض حول لبنان، ورغم محاولاته بعد يومين إعادة تفسير تلك التصريحات، وأنه لا يدعو للتفاوض مع حزب الله، إلا أن هذه التصريحات بلا شك قد ألقت الضوء على الواقع اللبنانى الحالى بعد توقيع حكومة جوزيف عون الاتفاق الثلاثى الإطارى مع إسرائيل والولايات المتحدة فى 26 يونيو 2026. والذى رغم توقيعه فقد استمرت الدولة العبرية فى احتلالها للأراضى اللبنانية، وانتهاكاتها المستمرة لمجالها الجوى، وتوجيه ضربات عسكرية، وسط مفاوضات تدور فى حلقة مفرغة حول ما يسمى منطقتين تجريبيتين صغيرتين تنسحب منهما إسرائيل.
وقد كان من المتوقع أن تحدد الحكومة اللبنانية أهدافها من التفاوض المباشر مع إسرائيل، وأن تفعل ما لديها من أدوات أو كروت ضغط لكى تحقق هذه الأهداف، أخذا فى الاعتبار كذلك أهداف الطرف الآخر وهو إسرائيل ونقاط قوته وضعفه إن وجدت.
• • •
فالأهداف اللبنانية واضحة وهى:
• تحقيق الانسحاب الإسرائيلى الكامل من كافة الأراضى التى احتلها فى الجنوب اللبناني.
• الوقف الفورى والدائم للهجمات الإسرائيلية على كل الأراضى اللبنانية.
• عودة النازحين وعددهم نحو مليون شخص، لقراهم وبلداتهم فى الجنوب، وبما يسمح بإعادة الإعمار.
ولتحقيق هذه الأهداف كانت لبنان تمتلك أدوات الضغط أو «الكروت» التالية:
• تمتلك أهم ورقة تسعى إليها إسرائيل منذ عقود وهى اعتراف الحكومة اللبنانية بها.
• لديها ورقة «سلاح حزب الله» والذى تراه إسرائيل لا يزال خطرًا عليها، رغم ما قامت به من ضربات عسكرية لقواعد الحزب، وترسانته العسكرية، ومخازن صواريخه، وأماكن تمركزه فى الجنوب والضاحية الجنوبية من بيروت، بل وقياداته العسكرية والسياسية وعلى رأسهم تصفية الزعيم الكاريزمى حسن نصر الله وآخرين.
سلاح الحزب ورقة ضغط لبنانية
وقد يثور التساؤل كيف يكون سلاح الحزب ورقة فى يد الحكومة، وهى ترى أهمية أن يكون داخل الدولة سلاح واحد فقط، ويخضع لسلطاتها، ولا يعمل مستقلا عنها فضلا عن ارتباطه بدولة أخرى وهى إيران؟
وهنا يمكن الإشارة لأهم النقاط التالية:
أولًا: من الصحيح قانونيا ونظريًا فى مفهوم الدولة القومية الحديثة، أن يكون لديها جيش واحد كأحد مظاهر السيادة.
ولكن إذا كانت وحدة السلاح هى من مظاهر السيادة، فإن انتهاك السيادة الأكبر يتمثل فى احتلال جزء من أرض الوطن (مزارع شبعا، وتلال كفر شوبا منذ عام 1967، إضافة لاحتلال نحو 8% من الأراضى اللبنانية فى الجنوب مؤخرا وتقدر بنحو 600 كيلو متر مربع) وتهجير نحو سدس السكان، فضلا عن انتهاك الطيران الإسرائيلى للمجال الجوى اللبنانى شبه الدائم منذ سنوات، وتوجيه ضربات عسكرية دون قدرة على الرد والمقاومة من الجيش اللبنانى، نظرًا لوضع هذا الجيش حجمًا وعتادًا وتسليحًا؛ حيث لا يمتلك قوات جوية فاعلة، ولا قدرات دفاع جوى تمكنه من ذلك.
ثانيًا: نشأ حزب الله وسلاحه نتيجة للغزو الإسرائيلى للبنان ولم يكن الغزو نتيجة لوجود حزب الله، وذلك حينما احتلت إسرائيل بيروت كأول عاصمة عربية تجتاحها، ومن ثم فهو نتاج الظروف التاريخية التى مرت بها لبنان، والمساندة الإيرانية لشيعتها ومن يتشابهون معها فى أيديولوجيتها.
ثالثًا: تأثرت لبنان سلبًا بتبعات نشأة الدولة العبرية عام 1948 فى جوارها، والتى أدت لكثير من الاضطرابات وعدم الاستقرار فيها، بداية من استقبال لاجئين فلسطينيين بأعداد كبيرة، ثم نشأة فصائل وسط المخيمات تناوش إسرائيل، ثم الحرب الأهلية اللبنانية، وتكرار الاجتياح الإسرائيلى للبنان واحتلال أراضيه، ويحسب للحزب نجاحه فى المقاومة منذ 1985 إلى 2000 وتحقيقه الانسحاب الإسرائيلى، كما قاوم فى الحرب عليه عام 2006، وحقق نجاحات مهمة ضد القوات الإسرائيلية. وتلقى انتكاسات ضخمة خلال العامين الماضيين نتيجة للحرب الإسرائيلية على غزة، ومحاولته مساندة الفصائل الفلسطينية ثم محاولته مساندة إيران أثناء الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران.
سلاح الحزب والواقعية السياسية
ومن هنا فإن الواقعية السياسية والعسكرية، فضلا عن المصلحة القومية اللبنانية كانت تقتضى، فى ظل هذه الظروف التاريخية التى نشأ فيها الحزب، ورغم ما قد يكون من أخطاء عسكرية وخلاف سياسى داخلى فى لبنان مع الحكومة الحالية، أن يكون موضوع سلاح الحزب واندماجه داخل المنظومة الأمنية العسكرية الضعيفة، هو محل نقاش داخلى وإقليمى عربى بين القوى الفاعلة، ومع إيران كذلك، ومع الأطراف الدولية الرئيسة وأهمها الولايات المتحدة وفرنسا، ولكى يكون برجاله وسلاحه وخبراته زادا يقوى الجيش اللبنانى، ويساعد فى تحقيق قدر من الردع ضد إسرائيل، وليس موضوعًا للتعهد بنزع سلاحه وتدميره مع قوى خارجية معادية للبنان مثل إسرائيل، ويكرر مسئولوها علنا أنهم لن ينسحبوا من الجنوب اللبنانى باعتباره منطقة أمنية، وبالتالى فهو ورقة تفاوض مهمة لتحقيق أهداف الدولة اللبنانية، فى إلزام إسرائيل بالانسحاب الكامل وفق جدول زمنى واضح ومحدد. فضلا عن إلزامها بإنهاء الحرب على لبنان بصفة دائمة فى مقابل الاعتراف بالدولة العبرية على الطريقة المصرية واتفاق السلام مع إسرائيل.
هاوية الاتفاق الإطارى
ولكن بالنظر فى الاتفاق الإطارى الموقع فى واشنطن فى 26 يونيو 2026، والمعلن رسميا، سنجد أن حكومة عون قد ألقت بكل الكروت التى تملكها، وحققت لإسرائيل كل أهدافها، دون أن تحصل الدولة اللبنانية على أى نص واضح يلزم إسرائيل بالانسحاب وعدم الاعتداء، ولا عودة المهجرين كما يلى:
أولا: سلمت لبنان بورقة الاعتراف بإسرائيل فى البند الأول من الاتفاق دون مقابل مناسب.
ثانيا: استسلمت لطلبات إسرائيل فى الربط بين السيادة على أراضيه والتحقق من نزع سلاح كافة الجماعات المسلحة غير الحكومية، وتفكيك بنيتها التحتية، وذلك فى المادتين الثانية والثالثة من الاتفاق.
ثالثا: والأكثر من ذلك، فقد وافقت حكومة عون على ربط عودة النازحين وإعادة الإعمار كذلك بنزع سلاح الحزب وتفكيك بنيته التحتية، وتعهدت أيضا فى المواد الثالثة والرابعة والخامسة والثامنة والتاسعة والحادية عشر، بضمان عدم وجود أى دور عسكرى أو أمنى للحزب فى أى مكان فى لبنان ومنع أى تمويل له.
رابعا: وافقت الحكومة اللبنانية، فى المادة الخامسة ضمنا، على حق إسرائيل فى توجيه ضربات للبنان ما دام حزب الله موجودا، كما أقرت لبنان، فى المادة السابعة كذلك، على حق إسرائيل فيما تدعيه من حق الدفاع عن النفس، وهو ما يعنى تأكيد حقها فى استمرار الضربات العسكرية ضد لبنان فى هاتين المادتين.
خامسا: نجحت إسرائيل فى الحصول على تعهد من لبنان بعدم ملاحقتها فى أى محافل دولية قانونية أو سياسية، وهو ما يشل يد لبنان فى الشكوى مستقبلًا ضد إسرائيل أمام الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو القضاء الدولى، سواء لطلب قرار أممى يجبرها على الانسحاب من أراضيها، أو نظرًا لاقتراف إسرائيل جرائم حرب.
ولما كان تنفيذ نزع سلاح الحزب لا يمكن بالقوة، ولا يرغب فيه الجيش اللبنانى، وقد لا يقدر عليه لأنه سيؤدى إلى حرب أهلية وتفكيك الجيش، فهذا يعنى بقاء الأمر كما هو عليه لسنوات وسنوات، وهو ما يحقق كل المصالح الإسرائيلية.
وقد كان أمام لبنان مسار أفضل من خلال ما ورد فى مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة المسمى مسار إسلام آباد، و الموقعة فى 17 يونيو 2026، والذى حدد وقفا فوريا ودائما لإطلاق النار على كل الجهات بما فيها لبنان صراحة، وضمان سيادة لبنان على أرضه، ومن ثم تحقيق الانسحاب الإسرائيلى الكامل، وأنشأ آلية لتنفيذ هذا المسار تشارك فيه لبنان مع إيران والولايات المتحدة، حسب البيان الصادر عن الوسيطين الباكستانى والقطرى فى 22 يونيو 2026، وسبق إبلاغ حكومة عون به، والذى شكر وزير خارجية إيران على ذلك فى اتصال تليفونى عقب هذا البيان، ولكن حكومة عون يبدو أنها فضلت مسار تل أبيب الذى هو أشبه بالهاوية، عن مسار إسلام آباد الوارد إحياؤه، إذا أسفرت اتصالات الوسطاء الجارية على العودة للالتزام بمذكرة التفاهم بين إيران والإدارة الأمريكية. وهنا قد يكون من المفيد لحكومة عون الخروج من الهاوية، والعودة لمسار إسلام آباد كما ألمح السفير الأمريكى توم باراك.