نتائج التلاعب بمنطلقات الديمقراطية
علي محمد فخرو
آخر تحديث:
الأربعاء 2 سبتمبر 2026 - 7:24 م
بتوقيت القاهرة
لقد بيّنا فى الأسابيع الماضية نجاح محاولة ثلاثة أنظمة عربية فى أقطار مصر وسوريا والعراق، مباشرة بعد انحسار الاستعمار الغربى عنها، فى بناء اقتصاد عربى ذاتى مكون من رأسمالية الدولة واستعمال فوائضها لبناء اشتراكية المجتمع. لكن عدم حدوث إصلاحات سياسية تحميها وتنظمها وتطورها قاد إلى انتكاسات عديدة فى تلك المحاولات الاقتصادية التقدمية الواعدة.
كان أهم خلل فى فشل البناء الإصلاحى السياسى المطلوب ناتجًا عن تقليد أنظمة الحكم الثلاثة وقياداتها السياسية لما فعله القائد الروسى الشهير لينين بعد نجاح الثورة الشعبية فى روسيا عام 1917. فقد أقنع الحزب الشيوعى الروسى المنتصر بضرورة المرور فى مرحلة سياسية انتقالية تحت شعار الماركسية اللينينية التى سيعتمد تطبيقها كحركة ثورية على أن تكون الحياة السياسية أثناء الفترة الانتقالية يقودها حزب قائد ماركسى ثورى، هو الحزب الشيوعى، وأن لا توجد تعددية سياسية حزبية على الإطلاق، وأن تكون قيادة الحزب الثورى قيادة بيروقراطية مركزية غير تعددية هى الأخرى، أى لا توجد ديمقراطية فى المجتمع ولا فى الحزب الشيوعى إلى حين الانتهاء من تحقيق أهداف الثورة البلشفية الكاملة وتحقق الانتقال من الاشتراكية الانتقالية إلى الشيوعية الكاملة.
وهكذا قررت قيادات الأنظمة الثلاث أن تتعامل مع الديمقراطية فى مجتمعاتها بنفس المنطق، فأصرت على رفض وجود أحزاب أو فى أحسن الأحوال وجودها ولكن قبولها وخضوعها لفكرة الحزب القائد الذى يهيمن على الحياة السياسية وعلى كل قوى الحكم للدولة.
وجاءت الهجمة الاستعمارية الصهيونية واحتلالها لمعظم أرض فلسطين لتضيف سببًا آخر لتأجيل الإنتقال إلى الديمقراطية التعددية الانتخابية القائمة على تدوير سلطة الحكم فيما بين الأحزاب وإرادة مجموع الناخبين.
وهكذا بدلًا من اقتناع الجبهات العربية الثلاث بأنه لا يمكن أن نصل إلى اشتراكية متكاملة من دون أن تسير معها، جنبًا إلى جنب، بناء وترسيخ الديمقراطية، وأن الديمقراطية هى الأخرى يجب أن تسير معها جنبًا إلى جنب تغييرات ثورية عميقة اجتماعية، بدلًا من ذلك ابتعدت تلك الأنظمة عن المتطلبات الديمقراطية كليًا، ليصبح النظام الاقتصادى الذاتى الجزئى الذى أرادت بناءه منكشفًا لقوى الرجعية فى الداخل من جهة ولقوى الخارج الاستعمارى والصهيونية الخارجية من جهة أخرى.
والنتيجة أن لا النظام الاقتصادى الذاتى الواعد وصل إلى أهدافه ولا الديمقراطية المطلوبة انتقلت إلى الواقع، ودخل المجتمع العربى برمّته، وليس الأقطار الثلاثة فقط، فى الظلام الدامس الذى نعيشه جميعًا الآن.
ما يحتاج أن يتبناه شباب الأمة هو إعطاء أهمية كبرى ودور فاعل فى نضالهم اليومى والدورى الثورى لانتشال الاقتصاد العربى الذى أدخل فى طريق مسدود من قبل الرأسمالية العولمية النيوليبرالية، ولإعطاء أولوية قصوى لتحقق خطوات الانتقال إلى نظام ديمقراطى متوازن معقول متطور بصورة تراكمية نحو الأعلى فالأعلى.
ما هو مطلوب أيضًا هو انتباه المفكرين المناضلين الملتزمين العرب إلى التركيز على وجود حملة توعية فيما بين شابات وشباب الأمة يدخل فى كل تفاصيل أى انتقال إلى أى نظام اقتصادى عربى ذاتى من حطام الاقتصاد العربى الواعد السابق، وعن أية تغييرات مجتمعية عربية مطلوبة للانتقال إلى بناء الأنظمة الديمقراطية.
ويأمل الإنسان أن تأخذ حملات التوعية تلك بعين الإعتبار درس عدم تكرار الأخطاء والخطايا التى ارتكبتها أغلب أنظمة العالم الاقتصادية والديمقراطية السياسية، والتى تصدر بشأنها يوميًا كتابات ومناقشات بالغة الانتقاد لما مضى، وبالغة التقدمية لما يجب أن يأتى.
وسنقوم بدورنا، بكل تواضع، فى المساهمة المتواضعة فى بناء ذلك الوعى فى الأسابيع القادمة، بدءًا بالحديث عن أى نضال من أجل أى اقتصاد ذاتى عربى وأى ديمقراطية تقدمية عربية ذاتية يجب أن تتوجّه، بعد أن طال أمد الفراغ الفكرى الذى فرض على الذات العربية فى كل الأرض العربية.