فى المستقْبَل

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

آخر تحديث: الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 7:10 م بتوقيت القاهرة

أذكر منذ أعوام طويلة أننى كنت أقود عربتى على إحدى الطرق السريعة التى لم أعتد سلوكها، وقد ظهر مطلع جسر أمامى على الناحية اليسرى، ولحظت مسارًا عاديًا إلى يمينى، إضافة إلى لافتة عند المُفترَق مكتوب عليها بأحرف عريضة: "المستقبل تحت الكوبري". المراد تنبيه العابرين المتوجهين إلى المنطقة المذكورة كى يلتزموا الطريق السطحية، والقصد مفهوم ولا شك؛ لكن المفارقة التى تضمنتها الكلمات جاءت داكنة شديدة السخرية؛ وقد أغرقتنى فى الضحك حتى اندهش الراكبون بصحبتى، وظللت من ساعتها أذكر اللافتة وأسترجِع محتواها بين الحين والآخر ثم أعاود الابتسام؛ دون أن يجد مَن حولى سببًا.
• • •
يُقال ما غامت ملامح الآتى وتعكرت الرؤية وعمَّ القلق النفوس: «إن غدًا لناظره قريب». الحِكمة العربية تدعو للصبر، وتؤكد ألا داعى للاستعجال ولا ضرورة للشعور بعدم الارتياح؛ فالمسافة قصيرة والكشف عن المحجوب لن يستغرق زمنًا طويلًا، والحق أن الرغبة فى استطلاع المستقبل لا تتعلق بالمعرفة المُجرَّدة وحسب؛ إنما باتخاذ ما يلزم من تدابير؛ والحال أن العاقلين يحسبون الآتى ويخططون له؛ بينما يترك الساهون والغافلون مستقبلهم بأيدى آخرين.
• • •
كثيرًا ما نستخدم الأمثولة الشعبية التى تقول: "يا خبر بفلوس بكره يبقى ببلاش"؛ وهى تدعو بدورها للانتظار والتريث، فالمستقبل كفيل بكشف كل مكنون مستور، وجعله مشاعًا على الألسنة؛ لا سيما والخبر الغامض يجد ألف من يبحث وراءه، فإن لم يتوصل الباحث إلى أصله؛ اخترع ما يشفى فضوله وفضول الناس، وتكفل الناس أنفسهم بإضافة التفصيلات التى تزيد الإثارة وتُشبِع نَهم الثرثرة.
• • •
ثمَّة بذورٌ صغيرة تبقى كامنةً فى الظل، تنمو ويتضخم حجمُها دون أن يدرى بها أحد؛ ثم إذا بها تنفجر صانعةً دويًا عاليًا يسمعه الجميع ويرى أثره وإن لم يهتم، وفى الحثّ على التروى إلى أن يقع الانفجار وتتضح الأمور المخفية، يقال: "بكره نقعد جنب الحيطة ونسمع الزيطة". الزيطة فى العادة إشارة لوجود ما يسوء؛ شيء أقرب إلى الفضيحة التى يدرك الحَدس جسامتها، وسواء كانت مُتوقَّعة أو مفاجئة، فإنها تلفت الانتباه وتجبر الآخرين على الحديث عنها.
• • •
فى أنشودة «يا مصر يا غالية» يتلو محمود ياسين بعضَ الأبيات من أشعار أحمد شوقى وحافظ إبراهيم، بينما تغنى وردة كلمات حسين السيد على ألحان محمد عبدالوهاب. يقول ياسين فى أحد المقاطع: «إنما مِصر إليكم وبكم وعصركم حُر، ومستقبلكم بيمين الله خير الأمناء.. فاطلبوا المَجْدَ على الأرض؛ فإن هى ضاقت فاطلبوه فى السماء». تحملُ العباراتُ على إيجازها مشاعرَ مُختلِطة وكثيفة؛ فالوطن بأهله وناسه؛ ولا يكون أبدًا كيانًا منعزلًا عنهم أو مُستقل، والحرية شرطٌ مُقرَّر سلفًا، أما العقبات؛ فلا تُوقِف المسيرَ ولا تمنع عزيزَ النفس، فتيَّ الإرادة، عن نوال الرفعة والمجد.
• • •
بعضُ الناس تستهويهم فكرةُ استكشاف المستقبل. من النساء من يبحثن عمن محترفى تفسير فنجان القهوة، ومن يقصدن ضارِبات الوَدَع ومطالعات الكفَّ ومن أشهر العبارات المُستخدَمة فى هذا النطاق: "أبيَّن زين أبيَّن". يأتى بعد ذلك دور كبار العرافين والعرافات الذين يجيدون إدارة موهبتهم فى إقناع الناس بقدرات غير عادية، ويجمعون بمقتضاها أموالًأ طائلة. على كل حال؛ هناك من يأخذ المسألة على مَحمَل الجَد، ومن يرفضها مدفوعًا بالمأثور الديني: "كذب المنجمون ولو صدقوا".
• • •
قد يتوقَّف الأمر على معرفة المكنون فى الحاضر دون النظر إلى المستقبل، وفى فيلم "رصاصة فى القلب" يغنى عبدالوهاب: "ما تعرفيش إنى أقدر أقرا أفكارك ومن عنيكى أقدر أقول لك كل أسرارك؟" لتجيب راقية إبراهيم فى مشهد غنائى بديع: "طيب اقرا لى اللى فى قلبى واحكى لى عليه". يستطيع مرهفو الحس رقيقوا الأحاسيس استشفاف ما يبطن الآخرون، وتلك ملكة لا تتاح إلا للقلة، وقد تصبح مبعث إنهاك نفسى وتنغيص. الفيلم عن قصة لتوفيق الحكيم وقد عرض فى الأربعينيات ولم يزل حاضرًا على الشاشة الصغيرة قريبًا من الوجدان.
• • •
كتب مصطفى صادق الرافعى "اسلمى يا مصر" على خلفية أحداث ثورة ألف وتسعمائة وتسعة عشر، وقد اعتُمِدَت الكلمات رسميًا ووضع ألحانها الموسيقار صَفَر على، لتصبح النشيد الوطنى لمصر فى الفترة من ألف وتسعمائة وثلاثة وعشرين وحتى ألف وتسعمائة ستة وثلاثين؛ إلى أن ألغى الملك فاروق الاعتماد، وأعاد الصيغة الملكية: "سلام أفندينا". لاحقًا غنى أيمن صفر على اسلمى يا مصر، فجاء صوته الجهوريّ الفخم، الممتلئ بالحماسة؛ مصداقًا لقوة الكلمات وبأسها.
• • •
فى أيام الطفولة والصبا واظبت وكثير الأقران على شراء الأعداد الصادرة من سلسلة ملف المستقبل ورجل المستحيل. فضَّلَ بعض الرفاق أدهم صبرى، بينما ملت دومًا لنور ورفاقه وما حملت سطور مغامراتهم من ألغاز وخيال، والحال أن الواقع فى يومنا هذا قد تجاوز ما يمكن أن تتفتق عنه قرائح المؤلفين، وتحول مضمار الخيال العلمى إلى تحد حقيقيّ؛ وعلى غراره أيضًا مضى مضمار العبث واللا معقول فتبدت أعمال رواده عادية ساذجة، وإذا كانت التقدم التكنولوجى قد فاق تصورات الكتاب والفنانين؛ فمسرح السياسة قد امتلأ عن آخره بالعابثين اللاهين.
• • •
خلال عهود الوفرة والرخاء يوصَف المستقبل بأنه مُشرِق مزدهر؛ لكنه يوصَم فى أوقات القحط والانحدار بكونه مظلمًا؛ والحال أن المُستقبَل اسم مفعول، وهو من ثمّ خاضعٌ للفاعل، مرتبط بفعله؛ إن امتلك أمره وشدَّ من عزمه؛ أنار الآتى ومهَّد الطريق، وإن بقيَ على حاله مستسلمًا متقاعسًا؛ لم يعد للإشراق محلٌّ.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved