ائتلاف بين اليسار والحريديم؟ هل جننتم؟
من الصحافة الإسرائيلية
آخر تحديث:
الإثنين 2 نوفمبر 2026 - 5:45 م
بتوقيت القاهرة
لا توجد فكرة أكثر جنونا من فكرة تأليف حكومة تجمع بين اليسار والحريديم (اليهود المتشددون دينيا) من بين جميع الأفكار العبثية التى يجرى تداوُلها فى المنظومة السياسية؛ فكلّ مرة يتحدث فيها أحد من المعسكر الليبرالى عن هذه الفكرة بجدية، أفرك أذنىّ، دهشةً، ثم أصفع نفسى، إهانةً وغيظا.
إن مجرد الانشغال بهذه المناورة الإعلامية السخيفة يقوّض من الأساس «تحالف الذين يؤدون الخدمة»، وهو الفكرة التنظيمية التى يقوم عليها معسكر التغيير؛ ألم يقُل نفتالى بينت وأفيغدور ليبرمان وغادى أيزنكوت، حتى لحظة إغلاق صناديق الاقتراع، إن التقسيمات التقليدية لم تعُد ذات صلة؟ وأن المعركة الآن تدور بين الذين يؤدون الخدمة العسكرية والذين يتهربون منها؟ وأن اليمينيين واليساريين يتحدون فى مواجهة «ائتلاف التهرب من الخدمة»؟ ولهذا خرج جنود احتياط متدينون على أبناء بيئتهم الاجتماعية، وخاضوا مواجهة مع الحكومة.
إذا كان حزب «يهدوت هتوراه» شريكا شرعيا، وكان التجنيد العسكرى ثمنا يستحق الدفع من أجل تأليف حكومة، فعلامَ كنتم تضللون الناس طوال ثلاثة أشهر؟ وما كلّ هذا الكلام الفارغ عن التخلّى عن المقاتلين؟ إذا كانت إزاحة نتنياهو تفوق فى أهميتها أى قيمة أخرى، كان يجب قول ذلك قبل فتح صناديق الاقتراع، وإذا كان تجنيد الحريديم فعلا قضية معقدة تتطلب تقديم تنازلات، فعلى الأقل، اعتذروا من بتسلئيل سموتريتش ونتنياهو، اللذين قالا ذلك سابقا.
فماذا كان موقف الرجلين؟ قالا إنهما يقدمان للحريديم إعفاءات من الخدمة العسكرية وأموالا من أجل الحفاظ على الائتلاف الحكومى. وأضاف سموتريتش أن اليسار سيقدم لهم الشىء عينه تقريبا، لكن هو على الأقل يوظف ذلك للحصول على إنجازات.
وشنّ كثيرون من الصحافيين هجوما حادا على هذا الطرح، وكنت واحدا منهم، وكتبنا أنه لا توجد أى فرصة لحدوث مثل هذا السيناريو، وحتى لو فكّر أحد قادة الليبراليين فيه، فإن ناخبيه لن يسمحوا له بتنفيذه؛ فهل كنت مخطئا تماما فى قراءتى للمشهد؟
من المذهل أن نرى سياسيين وصحافيين ينساقون وراء مناورة إعلامية بهذا القدر من السذاجة، يقف وراءها رئيس حزب «يهدوت هتوراه» يعقوب آشر، الذى بالكاد يخفى ابتسامته عندما يتحدث عن إمكان انشقاق حزبه وانضمامه إلى معسكر التغيير.
إن هدف آشر والمقربين منه واضح وذكى للغاية تفريغ «تحالف الذين يؤدون الخدمة» من مضمونه، وتحييد الخط الأحمر الذى حاول بينت وليبرمان رسمه؛ وإذا انزلقنا، لا سمح الله، إلى انتخابات جديدة، فإن الحجة المناهضة للحريديم ستفقد كثيراً من قوتها.
لقد أمضى نتنياهو وقتا طويلا وهو يضمد جراح محاولاته الفاشلة بشأن تأليف حكومة، بالاعتماد على القائمة العربية الموحدة «راعام»؛ هذه المحاولات هى التى أكسبته لقب «كذاب ابن كذاب».
إن مجرد مغازلته هذه الفكرة أضرّ بحزب الليكود، ومن المرجح أننا نشهد الآن الصورة المعاكسة لذلك التحرك: جسّ نبض الحريديم بشأن الانضمام إلى معسكر التغيير، وستنتهى هذه الخطوة من دون نتيجة، لكنها ستُلحق الضرر بمَن يقومون بها.
ويمكن رؤية هذا الضرر منذ الآن فى حالة النفور التى يشعر بها المتدينون المنتمون إلى اليمين المعتدل تجاه هذا المعسكر؛ فهؤلاء يعيشون حالة كبيرة من الارتباك: بعد أعوام كان إخوتهم المتدينون خلالها يصفونهم بأنهم «أغبياء نافعون»، يجدون أنفسهم مضطرين إلى التساؤل عمّا إذا كانوا كذلك فعلا؟
من الواضح أن معسكر التغيير سيضطر إلى خرق وعد مركزى واحد على الأقل من أجل تأليف حكومة؛ إذ سيتعين عليه الجلوس مع الحريديم، أو العرب، أو نتنياهو.
أنا أؤيد، ومن كلّ قلبى، تأليف حكومة وحدة وطنية؛ فمن وجهة نظرى، حكومة الوحدة هى الأقل ضررا، لأن الأمر يتعلق بحكومة لن تعتمد على جمهور مناهض للصهيونية؛ أمّا أى حكومة أخرى، فلن يكون تأليفها مكلفا للغاية فحسب، بل سيواجه أيضا صعوبة فى الاستمرار والبقاء.
إن الحكومة التى تجمع بين العلمانيين والحريديم لن ترى النور، لكن الأضرار التى ستترتب على مجرد التفكير العلنى فى هذا الاحتمال سيدفع المعسكر ثمنها مضاعفا، وبفوائد تراكمية.
عكيفا نوفيك
هاآرتس
مؤسسة الدراسات الفلسطينية