الذكاء الاصطناعى وطهارة البيانات
صحافة عربية
آخر تحديث:
الإثنين 2 نوفمبر 2026 - 5:45 م
بتوقيت القاهرة
تخيل أنك تقف فى طابور طويل داخل أحد المصارف، تحبس أنفاسك بانتظار قرار مصيرى بشأن قرض عقارى، فإذا بك تلمح نظرة باردة فى عين الموظف، حينها تشعر فجأة أن لون بشرتك، أو لهجتك، أو جنسك قد حسم المعركة قبل أن تبدأ، وللأسف هذا واقع مرير للتمييز الضمنى الذى يواجهه ملايين المستهلكين يوميا فى الأسواق العالمية.
هذه المفاجأة الاقتصادية والسلوكية الصادمة تفجرت من خلال دراسة حديثة نشرتها كلية ‹إيديك› (EDHEC) الفرنسية لإدارة الأعمال، إحدى أعرق المؤسسات الأكاديمية الخاصة فى فرنسا وأوروبا، حيث تشير الدراسة إلى تحول درامى فى سلوك المستهلك، إذ يفضل ضحايا التمييز الهروب إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعى، بحثا عن «ملاذ آمن» يدرأ عنهم الإحراج البشرى، علما بأن أدبيات الاقتصاد السلوكى قد استقرت زمنا طويلا عند حقيقة أن الإنسان ينفر غريزيا من الآلة، ويفضل فى خياراته المصيرية نصيحة أخيه الإنسان، فيما عُرف بـ «النفور الخوارزمى».
لكن حين يدخل التمييز عتبة الباب، وتنكسر الكرامة تحت وطأة النظرات الفوقية، تسقط هذه الفطرة الاقتصادية، وينقلب النفور إلى «تقدير واحتفاء»، ويصبح الذكاء الاصطناعى ملجأ ودرعا، فالمستهلك الذى أرهقته الأحكام الاجتماعية المسبقة، يرى فى الشاشة الصامتة والرموز البرمجية كائنا مجردا من العواطف، وبالتالى مجردا من الأحقاد، ليختار طواعية أن يُحاكم من قِبل «قاضٍ رقمى» لا يملك عيونا ليرى بها لون بشرته، ولا نبرة يمارس بها الاستعلاء، خاصة فى الفضاءات العامة حيث تصبح الخيارات مرئية للجميع، ويصبح معها الخوف من نظرة الآخرين أشبه بالمقصلة.
ولتوضيح هذه النقطة، ننتقل إلى دهاليز هذه الدراسة، حيث وضع الباحثون فى كلية إدارة الأعمال مجموعتين من الطلاب فى تجربة عملية لطلب قروض بنكية: المجموعة الأولى سُئلت بشكل مباغت وضمنى عن «لون بشرتها» لإيقاظ حساسية التمييز، بينما تُركت الثانية فى سلام، والنتيجة الحتمية: رُفضت طلبات الجميع، ثم اكتملت المفاجأة فى الفصل الثانى من التجربة، حيث تم تخيير المجموعتين بين مُقيِّم بشرى ومُقيِّم ذكاء اصطناعى، وهنا تجلت العقدة، فقد رفض غالبية الطلاب الذين تذوقوا مرارة التمييز فى الجزء الأول من التجربة، التعامل مع البشر واختاروا الذكاء الاصطناعى، لأنهم وجدوا فى الخوارزمية الصامتة قناعا يحميهم من نظرات المجتمع.
وهنا يأتى دور صنّاع القرار والاقتصاديين، والشركات الكبرى التى تندفع لتوفير بدائل الذكاء الاصطناعى فى قطاعات حساسة كالبنوك والرعاية الصحية لمنح المستهلكين شعورا بالراحة والسيطرة، ولكن، هنا يكمن الكابوس الخفى، فقد يكون هذا الأمان الرقمى هو مجرد «وهم»، لأن الذكاء الاصطناعى لا يولد نزيها، بل يتغذى على بيانات كتبها بشر متحيزون، وإذا تغذت الآلة على بيانات مصرفية عنصرية سابقة، فإنها لن تلغى التمييز، بل ستقوم بـ «أتمتته وتضخيمه» خلف الشاشات بكفاءة باردة وصامتة، مما يجعل رصده مستحيلا.
والخلاصة، أن الذكاء الاصطناعى فى عالم المستهلكين ليس مجرد أداة لرفع الأرباح، بل هو مرآة تعكس أزماتنا النفسية والاجتماعية، وباعتقادى، فإن لجوء المستهلك للآلة هربا من أخيه الإنسان هو صرخة احتجاج ضد «التحيز البشرى»، ولا شك أن طرح الذكاء الاصطناعى كبديل آمن لا يمكن أن ينجح بمجرد دغدغة مشاعر المستهلكين وإشعارهم بالأمان؛ بل يجب أن يكون هذا الأمان حقيقيا عبر رقابة صارمة تضمن طهارة البيانات، وإلا سنكون كمن يهرب من رمضاء التحيز البشرى إلى نار العنصرية الرقمية الممنهجة، وما لم نضمن نزاهة الخوارزمية، فإننا لا ننقذ المستهلك من التمييز، بل نمنحه فقط وسيلة دافئة ليموت فيها بصمت، بعيدا عن أعين البشر.
خالد رمضان
جريدة الرياض السعودية