محنة العروبة
مصطفى الفقي
آخر تحديث:
الإثنين 2 نوفمبر 2026 - 5:30 م
بتوقيت القاهرة
لا أدعو أبدًا إلى البكاء على الأطلال أو الدخول فى قنوات الأحزان، ولكننى أزعم أن مفهوم العروبة اليوم ليس فى أفضل أوضاعه، كما أن شعارات العمل العربى المشترك لم تعد تجد لها مكانًا مقبولاً فى بعض العواصم العربية، ورغم هذه الصورة التى تبدو قاتمة فإن الأمر لا يزعجنا ولا يؤرقنا، إذ إنه من المعروف أن دورات الزمن ترفع وتخفض وتُعلى وتهبط ولكن يبقى أن المهم ألا يمس ذلك الإنسان العربى بمعدنه الأصيل وتاريخه الطويل، فأنا على يقين أن الروح العربية ما زالت حية ولن تموت كما أن لدى إحساسًا عميقًا بأن التحولات الدولية والتغييرات الإقليمية ما زالت تنسج خيوطها فوق عددٍ من مراكز الحكم ومواقع السلطة فى العالم العربى المعاصر.
ومع ذلك كله فإنه لا يختلف اثنان على أن العروبة تمر بمحنة وتواجه ضغوطًا مختلفة من اتجاهات متعددة، فأطماع غير العرب فى أرض العرب ليست خافية، كما أن المخطط الصهيونى يمضى بوتيرة سريعة فى مواجهة بقايا المقاومة الصامدة فى بعض أركان الوطن العربى، وهى المقاومة الجسورة التى دفعت بشعب غزة إلى تضحيات جسام دفع فيها الشعب الفلسطينى ثمنًا فادحًا بشهادة العالم كله.
وتعبير محنة هنا لا يدعو إلى اليأس ولا يدفع إلى القلق فكم من أمم سادت ثم بادت ولكنها انتفضت من جديد ووقفت فى وجه أعدائها تسعى إلى رد العدوان واسترداد الحقوق فما أكثر المحطات الأليمة فى تاريخ الشعوب والانكسارات الكبرى فى مسارات الأمم، وسوف تظل العروبة شاهدة على تطورات غير متوقعة وارتباطات غير منتظرة ومؤامرات مختلفة لا تتوقف أبدًا، إذ إن قدر هذه المنطقة من العالم التى يعيش فيها العرب منذ قرون طويلة هو أن تكون محط أنظار وملتقى أطماع القوى الكبرى، كما أن دول الجوار الأخرى التى تمثل قوميات مختلفة تسعى بدورها إلى الحصول على ميزات على حساب التاريخ العربى وتحديدًا الثروة العربية حضارية وثقافية، مادية واقتصادية، ولقد مرت على المنطقة العربية هجرات كثيرة واجتاحتها موجات بشرية تركت بصماتها على بلاد العرب وهى تحاول الاستئثار بخيراتها وتتطلع دومًا إلى ثرواتها، وليس ذلك الأمر جديدًا، فالامبراطوريات الكبرى والمغامرون الكبار جاءت بهم أطماعهم إلى هذه المنطقة منذ سنوات طويلة قبل الميلاد، حتى إن الإسكندر الأكبر عندما أراد أن يصل إلى بلاد فارس بدأ رحلته من شاطئ المتوسط، وسبقته كما تبعته أيضًا غزوات شهيرة سعت إلى بسط نفوذها فى الفضاء العربى برًا وبحرًا.
ويجب ألا يغيب عن أذهاننا أن التركز الحضارى والانطلاق الروحى قد أعطى الساحة العربية مذاقًا خاصًا فالمشرق العربى هو مهبط الديانات السماوية كما كان إخناتون أول من نادى بالتوحيد وعبادة إله واحد ليؤكد أن الطرح الروحى والفكر العقائدى إنما يبدأ من قطر عربى أو آخر تزامنًا مع سنوات المحن وتراكم الشدائد، إنها المنطقة التى جذبت الإمبراطورية الرومانية والدولة اليونانية وقدمت للجميع نموذج التعايش الحضارى المشترك بين أصحاب الديانات المختلفة، لذلك كله فإننا حريصون على إعطاء العروبة وزنها الحقيقى ومكانتها اللائقة فى العالم، ونحن إذ نكتب اليوم هذا المقال تحت عنوان «محنة العروبة» فإنما نشير إلى المصاعب والمشكلات والمتاعب والأزمات بل والاستهداف المباشر الذى يسعى إلى تلك المنطقة من جديد تأكيدًا للظاهرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبى بأشكاله وأنواعه بدءًا من السيطرة العسكرية وصولاً إلى التطويق الاقتصادى استنزافًا لمقدرات من يعرفون لدول الجوار ثقافتها المتعددة وفكرها المختلف بدءًا من التراث العبرانى مرورًا بالوعى الأكيد لما تحتاجه تلك الدول المحيطة بالدائرة العربية من فرسٍ وترك وكرد تلك الفسيفساء التى تمخض عنها الوجود الأجنبى عبر القرون.
واليوم إذ يختلط الحابل بالنابل فإننا نتساءل بوضوح: هل تتخلى دول الجوار عن أطماعها فى البيت العربى؟ أم أن ذلك أمر يصعب تحقيقه فى مثل هذه الظروف؟!
وأسوق هنا ملاحظات ثلاث:
أولاً: إن نظرية الأمن القومى العربى لا تمثل وحدها شعارًا تقبل به كل دول المنطقة، فالعروبة مظلة ولكن لا يوجد حولها توافق كبير، بل هى محاطة بالعديد من المخاطر المشهودة التى نشعر بها الآن بعد تراكم السنين ومسيرة الزمن، فالذى يتأمل خريطة الدول العربية بين دول العالم حاليًا لابد أن يشعر بالقلق، فالقضية الفلسطينية وهى جوهر الصراع وقضية القضايا تكاد تدخل فى نفق مظلم يعبث به الجلادون وفى مقدمتهم رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، ولبنان فى حالة ترقب لإمكانية تحقيق الأمل فى الاستقرار وتوقف العمليات العسكرية الطارئة فى الجنوب، وسوريا تحاول التعافى من سنوات طويلة وكئيبة جثمت على صدر شعبها، وتنظر لتركيا بقلق نتيجة الأطماع العثمانية فى تخوم الدولة السورية، أما دول الخليج العربى فتسعى للاستقرار ونشر السلم والأمن الدوليين ولكنها فى مواجهة مع الدولة الفارسية التى لم تتوقف هى أو وكلاؤها عن التحرش بالدول العربية الخليجية إذ ينشط فصيل من فصائل الحرس الثورى الإيرانى تحت مسمى «الحوثيين» بالقيام بأنشطة عدوانية على أرض المقدسات فى المملكة العربية السعودية وهو أمر يلقى استنكارًا شديدًا وإدانة واسعة من القوى الإقليمية والدولية ويعتبره الجميع مقدمة لصدام دائم وصراع عسكرى جرى التخطيط له لضرب مفهوم العمل العربى المشترك فى مقتل وذلك لاعتبار السعودية مركز الثروة وركيزة الاستقرار.
ثانيًا: إن العروبة التى كانت شعارًا يلفت حوله العرب لعقودٍ طويلة أصبحت حاليًا ملاذًا يحتمى به عرب الخليج والمشرق العربى خصوصًا وأن الخطر يوشك أن يداهم الجميع ويتربص بالكل ولم تعد هناك دولة بمنأى عن المخاطر القادمة، بما فى ذلك الدول العربية الكبيرة مثل مصر وسوريا والعراق وقبلهم المملكة العربية السعودية المستهدفة بشدة لمواجهة ضرباتٍ مربكات تحاول النيل من أمة عريقة وريثة التراث العربى الإسلامى وهى أيضًا أرض التسامح والتعايش المشترك لذلك دفع أعداؤها بزخات من دوافع الفتنة الطائفية ومحاولة ضرب مفهوم العروبة من الزاوية الدينية أيضًا، فى وقت ترقب فيه الولايات المتحدة الأمريكية كل تلك التطورات المتلاحقة بل والمفاجآت غير المتوقعة أحيانًا وعلى العرب فى النهاية أن يحصدوا نتيجة ذلك من أرضهم وثرواتهم فى المستقبل القريب والبعيد.
ثالثًا: إن إسرائيل التى كانت ولا تزال وستظل العدو الأول لمفهوم العروبة وريثة الاستعمار وصنيعة العنصرية تجعلنا جميعًا أمام مشهدٍ لم نر له نظيرًا فى المنطقة كلها، إذ أن أحوالها فى السنوات الأخيرة يجعلها مدعاة للقلق ومصدرًا للتوتر ومسرحًا للعديد من النزاعات المسلحة، وتتمسك إسرائيل بأساليبها المعروفة فى تحطيم معنويات العرب والعبث بحقوق الشعب الفلسطينى الأبى.
إنها سنوات صعبة أمام أمة عريقة. ذات تراث متنوع الهوية متعدد المصادر، لذلك تبقى محنة العروبة فى أيامنا الحالية ليست مجرد تراجع عمّا تملكه هذه الأمة من أسباب النهضة وعوامل الصعود والتفوق ولكنها تدرك أيضًا أهمية استعادة دورها الكبير المعروف بحيويته وتأثيره على الآخرين وقدرته على الإسهام فى صنع نهضة شاملة تكون تمهيدًا يتوق له كل من تطلع إلى الزخم الحضارى الذى يتفاعل مع شخصية الدولة العربية ويتيح لها مستقبلاً ذا معالم واضحة وفقًا لخارطة طريق يتواصل حولها العرب من كل مكان حتى تخرج هذه الأمة من عنق الزجاجة التى وضعتنا فيه الأطماع الاستعمارية التى احتشدت تاريخيًا ضد هذه البقعة المتألقة من الشرق الأوسط وأصبحت دائمًا هدفًا لمن لا يريدون خيرًا للعرب بل ينظرون إليهم نظرة الطامعين الذين لا يروق لهم أن يروا الأمة العربية متماسكة أو أن هناك عملاً عربيًا مشتركًا وناجحًا بدلاً من أن نظل هدفًا للعنصرية والمخططات الاستيطانية التى لا تنتهى.
نقلا عن إندبندنت عربية