الاقتصاد السياسى للانتخابات النصفية الأمريكية

بشير عبد الفتاح
بشير عبد الفتاح

آخر تحديث: الإثنين 2 نوفمبر 2026 - 5:35 م بتوقيت القاهرة

يصوّت الناخبون الأمريكيون، اليوم، على استبدال جميع مقاعد مجلس النواب، البالغ عددها 435 مقعدًا، علاوة على تجديد 35 مقعدًا من أصل 100 فى مجلس الشيوخ، و36 حاكم ولاية، ومجالس تشريعية فى 26 ولاية من أصل خمسين.


خلافًا للانتخابات الإسرائيلية العامة الأخيرة، التى طغى فيها تعاظم الهاجس الأمنى على الوضع الاقتصادى المتردى، يلقى المتغير الاقتصادى بظلاله على الانتخابات النصفية الأمريكية. فلقد أفصحت نتائج استطلاع رأى نشره مركز «بيو» للأبحاث الشهر المنقضى، عن قناعة 84% من الناخبين المسجلين بأن الاقتصاد أمر حاسم فى توجيه سلوكهم التصويتى، فى استحقاق يبدو الأعلى إنفاقًا فى تاريخ الانتخابات النصفية. حيث أظهر تحليل أجرته وكالة الصحافة الفرنسية لبيانات لجنة الانتخابات الفيدرالية، إسهام أكبر 15 متبرعًا فيها بمبالغ ناهزت 1.5 مليار دولار، كان نصيب إيلون ماسك وحده منها 365 مليونًا.


شكّلت أسعار الوقود كابوسًا مزعجًا للأمريكيين. فبينما كان متوسط سعر الجالون 2.98 دولار أواخر فبراير الماضى، بات يتخطى حاليًا 4.30 دولار. فيما ارتفعت أسعار الديزل خلال الفترة ذاتها بنسبة راوحت بين 66 و69%. ما خلّف تداعيات خطيرة على الزراعة وأجور النقل، خصوصًا نقل الغذاء بالشاحنات والقطارات؛ كما فاقم الأعباء المعيشية على المستهلكين. إذ بلغ معدل التضخم السنوى حاليًا 3.7%، مقارنة بـ2.4% أواخر فبراير. ويعود هذا الارتفاع، بدرجة أساسية، إلى تداعيات الحرب التجارية، وحرب إيران، وما أحدثته من قفزة حادة فى أسعار الوقود. ويذهب نحو دولار من كل 7 دولارات تنفقها الحكومة الأمريكية إلى سداد فوائد الدين العام. فبينما بلغ إجمالى الإنفاق الفيدرالى نحو 7.4 تريليون دولار، استحوذت مدفوعات فوائد الدين العام على نحو 1.05 تريليون منها، بما يعادل 14.2% من إجمالى الإنفاق الفيدرالى خلال السنة المالية المنتهية فى سبتمبر 2026، وفق بيانات وزارة الخزانة الأمريكية. وهو ما يقلص الموارد المتاحة لمواجهة الأزمات الاقتصادية الجديدة، أو تمويل خدمات ومشروعات يمكن أن تسهم فى تحسين حياة المواطنين. إذ أقر الكونجرس، فى يوليو 2025، تشريعًا يتضمن تخفيضات هائلة فى الإنفاق على برنامج «ميديكيد» للرعاية الصحية المخصص للفئات المحدودة الدخل، وبرنامج المساعدات الغذائية.


تشير تقارير مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف «كريا»، وهو منظمة بحثية غير ربحية مقرها فنلندا، تدعم جهود التحول الأخضر، إلى أن الولايات المتحدة هى الدولة الأكثر تأثرًا بارتفاع تكاليف الوقود، الناجم عن صدمة النفط العالمية المرتبطة بالتوتر فى مضيق هرمز. إذ رفعت الأزمة فاتورة الوقود بمقدار 160 مليار دولار، بما يعادل ثلث التكلفة الإضافية العالمية. وبينما يماثل هذا الارتفاع مستويات اقتصادات أخرى، إلا أن تأثيره على المواطن الأمريكى كان أشد، بسبب تعاظم معدلات استهلاكه للوقود، ومحدودية التقدم الأمريكى فى تقليص الاعتماد على النفط. فلقدخلصت الدراسة إلى أن المستهلكين الأمريكيين يتكبدون كلفة إضافية بلغت 471 دولارًا للفرد، مقارنة بمتوسط زيادة يبلغ نحو 60 دولارًا للمستهلكين حول العالم، جراء الارتفاع الحاد فى أسعار الوقود، وانكماش القدرة التكريرية، بجريرة الهجمات الإيرانية على المصافى الخليجية، فضلًا عن الهجمات الانتقامية الأوكرانية على مصافى النفط الروسية، ما قوض القدرة التكريرية وقلص المعروض العالمى من المشتقات النفطية. إضافة إلى اعتماد الأمريكيين على مركباتهم الخاصة الأقل كفاءة، والسفر لمسافات أطول، والتحول البطىء نسبيًا إلى المركبات الكهربائية. وفى حين تكلف العالم 468 مليار دولار إضافية مقابل الوقود خلال تلك الفترة، تكبدت الولايات المتحدة 160 مليارًا. واستمرت الحرب لفترة أطول مما توقعته الإدارة. ويزداد الأمر سوءًا مع تأخر الولايات المتحدة كثيرًا عن الاقتصادات الرائدة فى التحول نحو وسائل النقل الكهربائية. حيث بلغت حصة المركبات الكهربائية القابلة للشحن من إجمالى مبيعات السيارات الجديدة فى الولايات المتحدة 7.3% خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، مقارنة بـ57% فى الصين، و32% فى الاتحاد الأوروبى.


أظهر استطلاع آخر للرأى، أجرته وكالة «رويترز» بالتعاون مع مؤسسة «إيبسوس»، أن 68% من الأمريكيين، بينهم 37% ممن يعرّفون أنفسهم بأنهم جمهوريون، لا يوافقون على طريقة تعامل ترامب مع الاقتصاد. خصوصًا بعدما انخرط، منذ عودته إلى الرئاسة مطلع عام 2025، فى حروب تجارية وجمركية مكلفة، حتى مع حلفاء واشنطن. الأمر الذى تسبب فى ارتفاع حاد للأسعار ومعدلات التضخم، كما أثار إحباطًا حتى بين مؤيديه. وقد أسهم قراره بشنّ حرب على إيران، أواخر فبراير 2026، وما ترتب عليها من عرقلة الأخيرة للملاحة فى مضيق هرمز، الذى تمر عبره خُمس واردات النفط العالمية وثلث تجارة الغاز الطبيعى المسال، فى دفع أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية؛ ما أثار استياءً واسعًا بين الأمريكيين. حيث لا يتقبلون سردية ترامب، التى تزعم أن ارتفاع أسعار الوقود يمثل تكلفة بسيطة يتعين على المستهلكين دفعها لمنع إيران من الحصول على أسلحة نووية، وأن أسعار النفط والوقود ستنخفض عند انتهاء الحرب.


ما إن قرر ترامب خوض غمار السباق إلى البيت الأبيض، للمرة الأولى عام 2016، حتى هرع المزارعون الأمريكيون إلى صدارة القاعدة الانتخابية التى حملته بأصواتها إلى المكتب البيضاوى. غير أن تداعيات سياسات إدارته فى ولايته الثانية، لا سيما حرب إيران والحروب التجارية، وما استتبعته من ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعى وتقييد صادرات فول الصويا إلى أسواق تقليدية مثل الصين، باتت تختبر هذا الولاء وتهدد ببروز تصدعات داخل هذه القاعدة. إذ يهدد استياء مزارعى فول الصويا بخسارة الجمهوريين ولايات ظلت تاريخيًا وفية للجمهوريين، مثل: أيوا، ونبراسكا، وأوهايو، وكانساس، التى لم تنتخب أى ديمقراطى لعضوية مجلس الشيوخ منذ نحو قرن. ومنذ فوز ترامب بسهولة فى المناطق الزراعية عام 2024، تبدلت مواقف كثير من الناخبين الريفيين فى الغرب الأوسط، بعدما قفزت أسعار الديزل بنحو 70%، وتصاعدت حالات إفلاس المزارع، فيما أدت الحروب التجارية إلى إضعاف الصادرات الزراعية، فى وقت لا تزال أسعار الأسمدة والمعدات تمثل عبئًا متزايدًا على المنتجين. وبعدما أضحى الموسم الزراعى الحالى هو الأعلى كلفة منذ نصف قرن، بسبب تراكم الديون، والارتفاع الحاد فى أسعار الفائدة، وهبوط قيمة الأراضى الزراعية. وتُبرز استطلاعات الرأى أن نسب الموافقة على أداء ترامب، وتعامله مع ملفات المعيشة والتجارة والرعاية الصحية، تقع فى النطاق السلبى. وقد هبطت نسبة التأييد الشعبى له إلى أدنى مستوى خلال أى من فترتَى رئاسته؛ إذ تبلغ حاليًا 31% فقط. وعادة ما يُنظر إلى انتخابات التجديد النصفى باعتبارها استفتاءً على أداء الرئيس فى البيت الأبيض. وفى مسعى منه لاسترضاء الناخبين الساخطين عليه وعلى حزبه داخل ولايات زراعية معروفة بتأييدها للجمهوريين، توزعت تحركات ترامب بين تقديم مساعدات للمزارعين، وتسهيلات ضريبية، ومحاولات لزيادة المعروض من الوقود، وصولًا إلى اتفاق للحصول على الديزل الروسى، لم يسلم من الاعتراضات داخل الأوساط الجمهورية.


بموازاة الحرص على التبرؤ من بعض سياسات ترامب، عمد عدد من المرشحين إلى تقليص مظاهر إبداء الولاء العلنى له خلال حملاتهم الانتخابية، توخيًا لاستقطاب أصوات تتجاوز القاعدة المؤيدة له. فبعدما تسابق المرشحون الجمهوريون إلى استرضائه وكسب تأييده خلال الانتخابات التمهيدية، بات بعضهم، مع اقتراب موعد الاقتراع، يسعى إلى النأى بنفسه عنه، بل وصل الأمر ببعضهم إلى انتقاد سياساته علنًا. وكشف تقرير لوكالة «رويترز»، مطلع الشهر الماضى، أن نحو ثلثى المرشحين الجمهوريين، الذين يخوضون سباقات محتدمة على مقاعد مجلسَى الشيوخ والنواب، نأوا بأنفسهم عن بعض سياسات ترامب، أو سعوا إلى تخفيف ارتباطهم السياسى به. وفى أوهايو، قاطع ناخبون جمهوريون خطبه الداعمة لمرشحين جمهوريين، رافعين لافتات كُتب عليها «جمهوريون ضد ترامب». كذلك، حذّر بعض المستشارين السياسيين الجمهوريين مساعدى الرئيس من أن تنظيمه تجمعات انتخابية فى الولايات المتأرجحة، حيث تحتدم المنافسة بفوارق ضئيلة، قد يضر بمرشحى الحزب أكثر مما يفيدهم. ونتيجة لذلك الوضع المزري، ألغى ترامب زياراته إلى مدن وولايات شتى، وقرر، بدلًا من المشاركة فى تجمعات انتخابية حية، دعم المرشحين الجمهوريين من خلال فعاليات دعائية افتراضية.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved