اقتصاديات تداول السلطة

مدحت نافع
مدحت نافع

آخر تحديث: الإثنين 2 نوفمبر 2026 - 5:35 م بتوقيت القاهرة

قد يكون من السهل قياس العائد الاقتصادى لمشروع استثمارى، أو حساب تكلفة قرار حكومى، أو تقدير أثر سياسة نقدية على معدلات التضخم والنمو. لكن ثمة عوائد أخرى لا تظهر مباشرة فى الحسابات القومية، ولا يمكن اختزالها فى أرقام الناتج المحلى أو معدلات الاستثمار، رغم تأثيرها العميق فى سلوك الأفراد وتوقعاتهم ومستقبل المجتمعات. ومن بين هذه العوائد ما يمكن أن نسميه «العائد النفسى لتداول السلطة»، وهو عائد قد يفوق فى قيمته المعنوية والمجتمعية ما يمكن أن يحققه استمرار أعظم القادة فى مواقعهم، حتى لو كانوا ناجحين ومستحقين للبقاء.


• • •
فالمسألة لا تتعلق فقط بمن يحكم، وإنما أيضا بما يشعر به المجتمع تجاه المستقبل، وبمدى إيمانه بأن الفرص متاحة، وأن المواقع العامة ليست ملكية خاصة، وأن النجاح لا يتوقف على شخص مهما بلغت قدراته. إن تداول السلطة، فى جوهره، ليس مجرد إجراء دستورى أو آلية سياسية لتغيير الحكام، وإنما رسالة نفسية واجتماعية متجددة مفادها أن المستقبل مفتوح، وأن التغيير ممكن، وأن الأجيال الجديدة ليست محكومة بالبقاء خارج دوائر صنع القرار.


ومن أهم ما يحققه التداول السلمى للسلطة أنه يعيد توزيع الأمل داخل المجتمع. فالمواطن الذى يعلم أن القيادة ليست موقعا أبديا، وأن هناك فرصة حقيقية للتغيير، وأن الوصول إلى المسئولية لا يتوقف على القرب من أصحاب النفوذ، يصبح أكثر شعورا بالانتماء إلى النظام العام، وأكثر استعدادا للمشاركة وتحمل المسئولية. وهذا الشعور ليس مجرد رفاهية سياسية أو معنوية، بل له انعكاسات اقتصادية مهمة؛ فالأمل فى المستقبل يؤثر فى قرارات الاستثمار والعمل والتعليم والادخار، ويعزز استعداد الأفراد لتحمل تكلفة الحاضر مقابل عائد أفضل فى المستقبل. أما الشعور بانغلاق الأفق، وبأن المواقع والفرص محجوزة إلى أجل غير معلوم، فيمكن أن يتحول إلى إحباط اجتماعى يضعف الحافز على المبادرة والمنافسة، ويدفع بعض الكفاءات إلى الانسحاب أو الهجرة.


ولعل أحد أهم أوجه القصور فى النظرة التقليدية إلى الاستقرار هو الخلط بين استقرار الدولة واستمرار الأشخاص فى مواقعهم. فالاستقرار الحقيقى لا يعنى غياب التغيير، بل يعنى أن يكون التغيير ممكنا دون أن تتعرض الدولة للاهتزاز، وأن تتغير القيادات بينما تستمر المؤسسات، وأن تتبدل الحكومات دون أن تنهار السياسات الناجحة أو تتعطل مصالح المجتمع. بل إن غياب التداول قد يخلق استقرارا ظاهريا، بينما تتراكم تحته أسباب الاحتقان والتهميش وانعدام الثقة، حتى يصبح التغيير المفاجئ والعنيف أكثر احتمالا وتكلفة.


• • •
من المنظور الاقتصادى، لا تكمن أهمية تداول السلطة فى تغيير الأشخاص وحده، وإنما فى ما يفرضه من تجديد للمنافسة والمساءلة. فاستمرار المسئول فى موقعه لفترات طويلة قد يؤدى، حتى دون قصد، إلى تراجع الحوافز على الابتكار، وتنامى شبكات المصالح، وضعف قدرة المؤسسات على تصحيح أخطائها. وقد تتحول المحافظة على الموقع تدريجيا إلى هدف فى حد ذاته، بدلا من أن يكون الموقع وسيلة لتحقيق أهداف عامة. وفى المقابل، فإن وجود احتمالات حقيقية للتغيير يفرض على شاغلى المناصب العامة أن يظلوا فى حالة استعداد لتقديم نتائج قابلة للتقييم، لأن الاستمرار لم يعد مضمونا، ولأن هناك دائما منافسين يمكن أن يقدموا بدائل أفضل. وبذلك يصبح التداول أحد أشكال المنافسة المؤسسية التى تحسن كفاءة استخدام الموارد العامة.


وتدعم بعض الدراسات هذا التصور؛ فقد تناولت دراسة لماركس وبونس وروليه نتائج التداول الانتخابى فى عدد كبير من الدول، وخلصت إلى ارتباط انتقال السلطة انتخابيا بتحسن عدد من مؤشرات الأداء الاقتصادى والتنمية البشرية وجودة المؤسسات. ولا يعنى ذلك أن كل تغيير يحقق النجاح تلقائيا، وإنما أن وجود إمكانية حقيقية للمساءلة والتغيير يمكن أن يخلق حوافز أفضل للحوكمة وتحسين الأداء. فالمؤسسات التى تسمح بالتداول المنظم لا تحمى المجتمع من أخطاء القائمين على السلطة فحسب، بل تمنح نفسها فرصة مستمرة للتعلم والتصحيح والتجديد.


• • •
التاريخ يقدم نماذج لافتة لقادة لم تكن عظمتهم فيما حققوه أثناء وجودهم فى السلطة فقط، بل فيما فعلوه عندما حان وقت مغادرتها. يأتى جورج واشنطن فى مقدمة هذه النماذج؛ فقد كان أول رئيس للولايات المتحدة، وتمتع بمكانة استثنائية بعد قيادته حرب الاستقلال، ومع ذلك قرر عدم الترشح لولاية ثالثة عام ١٧٩٦، رغم عدم وجود مانع دستورى آنذاك. وبذلك أسهم فى تأسيس تقليد سياسى بالغ الأهمية، وهو أن الرئاسة ليست ملكا لشاغلها، وأن احترام حدود السلطة قد يكون أعظم من التمسك بها. لقد ترك واشنطن منصبه، لكنه ترك للمؤسسة الأمريكية إرثا أكثر قيمة من مجرد استمرار شخصه فى الحكم.


وفى روما القديمة، تروى قصة سينسيناتوس كيف استُدعى من حياته الزراعية لتولى سلطة استثنائية فى وقت أزمة عسكرية، ثم تخلى عنها وعاد إلى أرضه بعد إنجاز المهمة. وبغض النظر عن التفاصيل التاريخية للقصة، فقد أصبحت رمزا جمهوريا للتخلى الطوعى عن السلطة، وللفكرة القائلة إن المنصب العام تكليف مؤقت وليس غنيمة دائمة. وفى تجربة أكثر حداثة، قدم نيلسون مانديلا نموذجا بالغ الدلالة؛ فبعد أن قاد جنوب إفريقيا فى مرحلة شديدة الحساسية من تاريخها، لم يسع إلى ولاية رئاسية ثانية، وترك المجال لانتقال القيادة. وكانت رسالته تتجاوز شخصه إلى ترسيخ فكرة أن بناء الدولة الديمقراطية لا ينبغى أن يتوقف على بقاء قائدها التاريخى فى الحكم.


ولا يعنى ذلك التقليل من قيمة القادة العظام أو إنكار ما قد يحققونه من إنجازات استثنائية، ولكن السؤال هو: هل ينبغى أن تكون مكافأة القائد الناجح استمرار بقائه فى السلطة إلى أجل غير معلوم، أم أن أعظم تكريم له هو أن يترك مؤسسات قوية قادرة على مواصلة النجاح من دونه؟ إن القائد الذى يربط استقرار الدولة باستمرار وجوده، مهما حسنت نواياه، يضعف تدريجيا فكرة المؤسسة ويعزز الاعتماد على الأشخاص. أما القائد الذى ينجح فى بناء قواعد تضمن انتقال المسئولية بسلاسة، فإنه يضيف إلى إنجازاته الشخصية إنجازا أكثر استدامة.


• • •
وتتجاوز الإشارات الإيجابية لتداول السلطة حدود المجتمع المحلى إلى المستثمرين والأسواق الدولية. فالمستثمر لا يبحث فقط عن حوافز ضريبية أو عمالة منخفضة التكلفة أو سوق واسعة، وإنما يبحث أيضا عن قابلية التنبؤ، واستقرار القواعد، وضمان استمرار المؤسسات والسياسات بصرف النظر عن تغير الأشخاص. ومن ثم فإن التداول المنظم يبعث برسالة مفادها أن استقرار الدولة لا يعتمد على شخص واحد، وأن القرارات العامة تخضع لقواعد ومؤسسات يمكن الوثوق بها. أما التداول غير المنظم أو التغيير القسرى والانقلابات والاضطرابات، فهى أمور مختلفة تماما، وقد ترفع درجة عدم اليقين وتضر بالاستثمار والاستقرار الاقتصادى. فالفضيلة ليست فى التغيير لمجرد التغيير، وإنما فى القدرة على تجديد القيادة دون التضحية باستمرارية الدولة.


وربما تكون أهم قيمة لتداول السلطة هى تلك التى لا تستطيع الموازنات العامة قياسها؛ إنها قيمة أن يشعر المواطن بأن بلده ليس أسيرا لماضيه، وأن المستقبل ليس محسوما سلفا، وأن أبناء الأجيال الجديدة يمكن أن يكونوا جزءا من صناعة القرار، وأن التفوق والنجاح والعمل العام قد تفتح لهم أبوابا كانت تبدو مغلقة. وهذا الشعور يعزز الكرامة والمواطنة، ويقلل من الإحساس بالتهميش، ويخلق مساحة للتنافس السلمى بدلا من الصراع على احتكار النفوذ. وقد عبر اللورد أكتون عن جانب من هذه الحقيقة فى مقولته الشهيرة: «السلطة تميل إلى الإفساد، والسلطة المطلقة تفسد إفسادا مطلقا»، وهى مقولة لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تحذر من طبيعة السلطة حين تغيب عنها الحدود والرقابة والمساءلة.


فى النهاية، ليس المطلوب أن نختار بين القائد العظيم وتداول السلطة، فكلاهما يمكن أن يكون مصدر قوة للدولة، وإنما أن ندرك أن عظمة القائد لا ينبغى أن تكون مبرراً لتعطيل حق المجتمع فى تجديد قيادته. فالقائد الذى ينجح فى إدارة الدولة يستحق التقدير، لكن القائد الذى ينجح أيضا فى بناء مؤسسات تستغنى عن وجوده، ويقبل أن يأتى بعده من يكمل المسيرة أو يصحح مسارها، يستحق تقديرا من نوع آخر. إن أعظم ما يمكن أن يتركه أى قائد لبلده ليس ضمان استمرار حكمه، وإنما ضمان استمرار الدولة بعد مغادرته السلطة. فتداول السلطة لا يعنى بالضرورة تغيير الأفضل، لكنه يعنى ألا يصبح الأفضل، مهما كان عظيما، هو الخيار الوحيد إلى الأبد.


كاتب ومحلل اقتصادى

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved