بين دولتين

عمرو خفاجى
عمرو خفاجى

آخر تحديث: الخميس 3 يناير 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

رغم أن المشهد العام يبدو وكأن الصراع الدائر فى المجتمع هو صراع إرادات ايديولوجية، سواء كانت ايديولوجيات فكرية أو عقائدية، أو حتى فلسفية فى حدود ضيقة، إلا أن المتأمل فى حقيقة هذه الصراعات منذ صباح الثلاثاء ٢٥ يناير ٢٠١١ حين وصلت افواج الشباب الأولى الى الميدان وحتى معركة الاستفتاء الثانى، سيلحظ بسهولة وجها آخر للصراع، صراع لم يكتشفه الضجيج الاعلامى حتى الآن، او على الاقل لم يضعه الاعلام على مائدة النقاش امام الرأى العام.

 

هذا الوجه الآخر للصراع، أراه ماثلا بوضوح فى الحوارات مع الشباب، صراع بين دولتين.. دولة حديثة يبحثون عنها وربما ثاروا من أجلها فى مواجهة دولة قديمة يريدون التخلص منها حتى لو كانت دولة الرعاية الابوية الحانية، والامر هنا تحديدا ليس مجرد صراع اعمار بين شيوخ وشباب، بقدر ما هو صراع أفكار وأدوار بين شكل قائم للدولة أو حتى شكل مقترح يبدو جديدا لكن هو فى حقيقته اقتراح لدولة تشبه الدولة المرفوضة من هؤلاء الشباب، فى مقابل دولة حديثة عصرية ربما لا يعرف الشباب اوصافها بدقة، او حتى مكوناتها العامة، لكن مشاعرهم تتقفى أثرها وعقولهم اللينة بدأت فى رسم ملامحها.

 

المدهش فى هذا الصراع، ان هناك شبابا من كافة اطياف المشهد السياسى والعقائدى يتفقون على ضرورة وجود دولة جديدة ويتطابقون ــ تقريبا ــ فى وصف ملامحها، شباب ليبرالى ومدنى وشباب من الاخوان وشباب من تيارات سلفية وشباب من تيارات اليسار بكافة اشكاله واصنافه وشباب لا يصنف نفسه سياسيا.. جميعهم يتفقون على رفض الدولة القائمة وينشدون دولة جديدة حديثة وإن اختلفوا فى بعض تفاصيلها، والمدهش اكثر ان الشباب الذين ينتمون للتيارات ذات المرجعية الدينية يرون بشكل جيد وضع «الدين» فى دولتهم التى يبحثون عنها يرونه بشكل لا يطغى على مؤسسات الدولة المدنية، فى مقابل تفهم مذهل لشباب التيارات المدنية بضرورة وجود «الدين» ووضعيته فى الدولة الجديدة.

 

اعتقد ان اللحظة حانت لجلوس هؤلاء الشباب معا، للحوار وتبادل الافكار، فهذا حقهم وهذا مستقبلهم.. واعتقد ايضا انهم الاجدر على صياغة الدولة التى كانوا يحلمون بها طوال الايام الثمانية عشر التى عاشوها معا فى الميدان، فهم فقط يعرفون انهم يبحثون عن دولة جديدة تنفض عنهم غبار الدولة القديمة التى لم يرو منها خيرا ولم يلمحوا عبرها اى مستقبل طيب، هؤلاء الشباب يعرفون جيدا انهم لم ينتفضوا للقضاء على مبارك وعصره ولم يكن هذا هدفهم، بل ان القضاء على مبارك وعصره مجرد عائق تم إزالته فى الطريق نحو الدولة الجديدة.

 

أما رجال الدولة القديمة فهم الذين اعتقدوا أن الثورة هى القضاء على مبارك ونظامه فقط.. ولم يفطنوا أن هناك دولة جديدة يجب أن تولد.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved