الجبر والاختيار فى المسيحية والإسلام

رجائي عطية
رجائي عطية

آخر تحديث: الأربعاء 3 مارس 2021 - 8:40 م بتوقيت القاهرة

ومن المعروف أن الدعوة المسيحية بدأت فى عصر فيلون ويوسفيوس، وذكر السيد المسيح عليه السلام ـ الأرواح الشريرة التى تسكن جسد الإنسان، ولكنه لم يذكر شيئًا يدل على أصول الشر التى وردت فى الكتب الإسرائيلية الأولى..
وإنما فصلت العقائد القانون الإلهى والخطيئة الإنسانية وكفارتها على لسان «بولس» الرسول فى عظاته ومحاوراته.
وفى رسالته إلى أهل رومية، يقرر بولس أن أصل الشر فى الإنسان هو عصيان آدم أمر ربه وأكله من الشجرة المحرمة، وأن الإنسان يعمل الشر لوراثته هذه الخطيئة، ولا كفارة لها غير الموت، ولكن الموت لا يحل إلا الجسد، ولا يحل الروح من هذه الخطيئة إلا بكفارة أخرى: هى كفارة السيد المسيح.. والذين يؤمنون بهذه الكفارة يستحقون الحياة الأبدية.. ولكنه لا يقصر ذلك على اليهود أو بنى إسرائيل، بل يعم به أبناء آدم وحواء أجمعين.. فكل وارث لهذه الخطيئة يشمله الخلاص بالنعمة الإلهية.
ونفى بولس الرسول ـ نفى الظلم عن إرادة الله تعالى.
ولكن ظهر فى المسيحية بعد بولس ــ فيما يبدى الأستاذ العقاد ــ ظهر طائفتان من المدافعين عن عقائدها: طائفة المجادلين، وطائفة المسوغين أو المعتذرين.
وقد انصرف المجادلون أو كادوا إلى مناقشة أبناء الأمم الأخرى، وانصرف المسوغون أو كادوا إلى مناقشة اليهود والمعترضين من المسيحيين.
وكانت أكبر حجج المجادلين أن الله الكامل لا يُسْأل عن الشر ولا يحبه، وأن الإنسان هو مصدر الخطيئة وعليه وزر جزائها..
وكانت أكبر حجج المسوغين على مثال ما تقدم فى رسالة بولس إلى أهل رومية، وهى الرجوع إلى الأقوال المشابهة لعقائد المسيحية فى أسفار أنبياء بنى إسرائيل..
ووُجد مع هذا من الآباء المسيحيين من أنكر وراثة الخطيئة.. وأن باب الخلاص مفتوح لكل من تلقى نعمة السماء وآمن بالسيد المسيح.. وأشهر هؤلاء القس البريطانى «بلاجيوس» الذى نشأ فى أواخر القرن الرابع الميلادى، وتنقل بين رومة وأفريقيا الشمالية وفلسطين، ونادى بدعوته فأنكرتها مجامع المسيحية كلها فى ذلك الحين، ومنها مجمع قرطاجنة، ومجمع مليف، ومجمع أفسس الثالث الذى ختم القرار فى هذه المسائل سنة 431.
وعلى هذا أصبح من الباطل فى عُرف تلك المجامع أن يؤمن المسيحى بأن:
آدم كان سيموت ولو لم يخطئ.
أن خطيئة آدم أصابته وَحْدَه، ولم تورث فى سلالته.
أن الأطفال المولودين لهم من البراءة ما كان لآدم قبل ارتكابه الخطيئة.
أن أبناء آدم جميعًا يستحقون البعث لمجرد بعث السيد المسيح.
أن الأطفال يستحقون الحياة الأبدية بغير عماد.
أن الإنسان قد يخلو من الخطيئة باتباع الوصايا الصالحة، واجتناب الخطايا الممنوعة.
من الباطل فى عُرف تلك المجامع، أن يؤمن المسيحى بشىء من ذلك.
وقد أصدرت تلك المجامع قرارها فى عصر القديس «أغسطين» الفيلسوف المسيحى المشهور، وهو لم يشهد أى واحدٍ منها، ولكنه أقر ما ذهبت إليه، وألف لتوضيح فكرته
كتابه: «عقاب الخطيئة وغفرانها».. وخلاصته أن آدم كان حرَّا فى مشيئته فقادته حريته إلى الخطيئة، وأن نسله ورث عنه هذه الخطيئة، ولكن العدل الإلهى لم يحرمهم وسيلة الخلاص منها، وهى كفارة الصليب.
وأكبر الفلاسفة الدينيين فى المسيحية بعد القديس «أغسطين» هو القديس «توما الأكوينى»، وهو يوافق أستاذه القديم أغسطين، ويرى أن الإنسان يقود نفسه، وأن الإرادة تتبع العقل والعقل من نعم الله، وغاية التقدير (القدر) عنده كفاية التقدير (القدر) عند أستاذه أنه علم سابق من الله.
ولكنه يخالف أستاذه أغسطين فى نصيب الأطفال من الرحمة، فيقول إن الخطيئة أضعفت جانب الخير فى الإنسان ولكنها لم تطمسه نهائيًا، وأن هذا الجانب الباقى هو الذى يعينه على تقبل الكفارة والخلاص.
وظل الفقهاء الدينيون يقولون ـ فيما يبدى الأستاذ العقاد ـ بأن السقوط الذى أصاب الإنسان فى الخطيئة، هو سقوط من عالم «ما فوق الطبيعة» إلى عالم الطبيعة. فلما قام
«لوثر» بدعوته فسر السقوط بأنه مسخ للطبيعة وعزاه إلى الشيطان، خلافًا «لكالفن» ـ Calvin ـ الذى عزاه إلى مشيئة الله لحكمة يعلمها فى سابق أزله.
وقد سمحت حرية البحث فى العصور الحديثة لبعض الفقهاء أن ينكروا مسألة الخطيئة.
على أن قرار الكنائس فى هذا الشأن، شىء آخر غير بحوث الفقهاء من أتباع الكنيسة، فهى آراء تتساند إلى المنطق العلمى.
* * *
ولما ظهرت الدعوة الإسلامية، نهض المسلمون بالحصة الكبرى فى مباحث القضاء والقدر؛ حيث طُرحت للبحث من جوانب متفرقة يتلاقى فيها أصحاب الدين والتفسير، وأصحاب السياسة والخلافة، وأصحاب العلم والفلسفة، وأصحاب الجدل والمناظرة مع أبناء الأديان الكتابية وغير الكتابية الذين اختلط بهم المسلمون فى بقاع الدولة.
ولا يوجد قول فى مسألة القدر لم يرد له ذكر بنصه أو معدلا أو منقحًا ـ على لسان طائفة من طوائف المسلمين، ويجملها الأستاذ العقاد فى المذاهب الثلاثة التى ينقسم إليها المتكلمون فى كل مسألة من المسائل الكبرى، وهم: جماعة الغلاة فى الإثبات، وجماعة الغلاة فى الإنكار، وجماعة المعتدلين المجتهدين فى التوفيق بين هؤلاء وهؤلاء.
أو هم فى مسألة القدر خاصة: جماعة الجبريين، وجماعة القدريين الذين أطلق عليهم هذا الاسم لأنهم يقولون باختيار الإنسان مع القدر خلافًا لما يسبق إلى الذهن من مدلول لفظ «القدريين»، ثم جماعة المعتدلين من أهل السنة المتوسطين بين القول بالجبر والقول بالاختيار.
وأول القائلين بالجبر فى صدر الدولة الأموية «جهم بن صفوان» وأتباعه ومريدوه. وكانوا يقولون إن الله خلق العباد. وخلق لهم أفعالهم، وزعموا كما قال الشريف المرتضى ـ إن ما يكون فى العبدمن كفر وإيمان ومعصية فالله فاعله. وإن لله تعالى أن يعذبه عن ذلك على ما يشاء ويثيبه على ما يشاء..
ومذهب أبى الحسن الأشعرى قريب من مذهب جهم بن صفوان، فخلاصة مذهبه أنه لا تأثير لقدرة العبدفى مقدوره أصلا، ويرى الأشعرى أن العبد مكتسب لأفعاله بقدرة يملكها ساعة الفعل ولا تسبقه، ولكنه لا يخرج بهذا التخريج عن مذهب الجبر؛ حيث ينفى قدرة التأثير عن العباد، ويرجع بها إلى تفسير واحد هو إرادة الله.
ويروى الأستاذ العقاد سؤالا طرحه الأشعرى على أستاذه أبى على الجبائى، وما جعل يحاوره به فى إجابته، ليخلص إلى أن مراد الأشعرى بهذه الأسئلة أنه مهما يقل القائلون فى تعليل التفرقة بين أهل الطاعة وأهل العصيان، فإن مرجع ذلك فى النهاية إلى علة واحدة هى إرادة الله.
ويرى بعض الجبريين المعتدلين، أن الفعل من حيث هو ـ واقع بقدرة الله، وأنه واقع بقدرة العبدمن حيث كونه طاعة ومعصية.
ومن الآيات التى يعتمد عليها الجبريون «وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ» (الصافات 96).. «إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ»
( التكوير 27 ــــ 29 )... «وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ» (يونس 99).. «خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ» (البقرة 7).. «بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ» (الرعد 33).. «وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا» (السجدة 13).
* * *
أما القدريون فهم من المعتزلة، ويسمون أنفسهم بأصحاب العدل والتوحيد، لأنهم يزعمون أنهم ينفون الظلم عن الله، ويقولون إن الإنسان حر فيما يفعل من خير وشر، فالله لا يجبره على الشر ثم يعاقبه عليه فيظلمه بذلك.
وعند القدريين أن سوء الاختيار الذى علم به الله فى سابق علمه الأزلى ـ هو الذى أوجب ما قضى به الله عليهم من طاعة أو عصيان. ولو لم يكن الإنسان قادرًا على الفعل والترك لما وجب التكليف.
ومن الآيات التى يعتمدون عليها فى إثبات دعواهم «وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ» (فصلت 46).. «ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِم» (الأنفال 53)... «كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ »(الطور21)... « الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» (الجاثية 28)... «وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى» (الإسراء 94)... «وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم» (البقرة 109).. «لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ» (المائدة 80)... «رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ» (الأعراف 23)... «رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى» (القصص 16)... «قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِى وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِى إِلَيَّ رَبِّى» (سبأ 50)... «وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِى عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُم» (إبراهيم 22).
Email:rattia2@hotmail.com
www.ragai2009.com

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved