حتى لا يصبح التطوير أزمة مواطن

أشرف البربرى
أشرف البربرى

آخر تحديث: الخميس 4 أبريل 2019 - 9:49 ص بتوقيت القاهرة

لا أحد يرفض التطوير، ولا يعارضه بشرط أن تتوافر شروطه ولوازمه حتى يتحقق الهدف المرجو منه، لكن من الواضح أن أغلب صناع القرار فى مصر، يفضلون وضع العربة أمام الحصان وينتظرون منها الانطلاق إلى الأمام فتكون النتيجة هى إما التراجع إلى الخلف أو حركة عشوائية من الحصان والعربة فيدهسان المواطن تحت عجلات التطوير الوهمى. فالمسئولون يقررون تطبيق نظم وقواعد جديدة، دون النظر إلى توافر الحد الأدنى من البنية التحتية اللازمة لتطبيقها، فتكون النتيجة ببساطة شديدة، فشل كبير فى التطبيق ومعاناة أكبر لعامة الشعب.
وزارة التعليم قررت تطبيق النظام الإلكترونى فى امتحانات الثانوية العامة الجديدة، بدءا بامتحانات أولى ثانوى باعتبارها سنة تجريبية، ولم تتوقف الوزارة عند حقيقة أنه لا مدارسها ولا مصر كلها تمتلك البنية التحتية اللازمة لضمان إجراء مثل هذا الامتحان الذى يجرى على مستوى الجمهورية، فكانت النتيجة «صفر كبير» ينافس «صفر المونديال» الشهير، عندما استيقظت مصر على واحدة من أكثر حوادثها إثارة للحزن والسخرية، و لم يتمكن طلبة سنة أولى ثانوى من إجراء الامتحان لأن «السيستم واقع».
ورغم كل ما صدر ويصدر عن الوزارة من بيانات تتحدث عن إصلاح الخلل وانتظام الامتحانات التى أعلنت هى نفسها إلغاءها، يتبقى السؤال الحاسم والأهم، هل تتوافر لكل طلبة المرحلة الثانوية فى مصر بمدنها وقراها خدمة الإنترنت اللازمة لإجراء امتحان بأهمية الثانوية العامة دون مشكلات؟ ورغم أن الجميع يعرف أن الإجابة عن هذا السؤال هى بالنفى، يصر بعض المسئولين على المضى قدما فى هذا الطريق الذى دفع ثمنه مئات الآلاف من الطلبة الذين خسروا عاما كاملا بدون أى تعليم حقيقى.
وما حدث فى وزارة التعليم حدث فى السكة الحديد، مع اختلاف درجة الأهمية وحجم المعاناة، عندما قرر السيد وزير النقل فرض غرامات كبيرة على ركوب القطارات من دون تذاكر، قبل أن يوفر العدد الكافى من شبابيك صرف التذاكر فى المحطات ولا العدد الكافى من الكمسارية، فكانت النتيجة هذا المشهد البائس لمئات المواطنين الذين تكدسوا أمام الشبابيك، ثم تحرك المسئولون بفتح منافذ إضافية وكأن حدوث الزحام كان مفاجأة لهم.
وعندما قررت الحكومة وقف صرف رواتب موظفيها نقدا، وتعميم الصرف باستخدام بطاقات ماكينات الصراف الآلى، لم تسأل نفسها، لماذا تجبر الموظفين البؤساء فى قرى مصر ونجوعها على الانتقال إلى المدن لصرف رواتبهم كل شهر، مع ما تواجهه هذه العملية من مشكلات نتيجة «وقوع السيستم» وتعطل ماكينات الصرف فى حالات كثيرة.
قد تبدو هذه المشكلات بسيطة فى نظر البعض، وقد يرى آخرون أن معاناة المواطنين نتيجة هذه المشكلات مجرد ثمن بسيط لانتقال مصر إلى آفاق جديدة فى التطور والتحديث، لكنها للأسف الشديد تكشف عن أمر بالغ الخطورة وهو أن الكثير من القرارات التى تمس ملايين المواطنين يتم اتخاذها دون دراسات كافية، وأن العديد من المسئولين يهتمون أحيانا بالشكل أكثر من المضمون ويبحثون عن عناوين براقة مثل «الحكومة الإلكترونية» و«الامتحان الإلكترونى» دون أن يتوقفوا عند حقيقة أن مصر «شبه دولة» لا تمتلك البنية التحتية اللازمة لتطبيق مثل هذه المفاهيم وأن منهج حرق المراحل والتركيز على التطوير الشكلى والتحديث الظاهرى لن يؤدى سوى إلى مزيد من التخلف والمعاناة.
إذا كنا نريد نهضة حقيقية لهذا البلد، علينا توجيه مواردنا نحو إقامة بنية تحتية حقيقية تتيح تطبيق ما يريده المسئولون من نظم مستحدثة فى أى مجال، فتتحقق النتائج المرجوة ولا يعانى المواطن والوطن من «السيستم الواقع».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved