مخاطر أزمة كورونا على الشعوب الإفريقية

رخا أحمد حسن
رخا أحمد حسن

آخر تحديث: الأحد 3 مايو 2020 - 8:55 م بتوقيت القاهرة

تأخر وصول وانتشار فيروس كورونا المستجد فى دول القارة الإفريقية عن الدول الآسيوية والأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية. وعندما وصل الفيروس إلى بعض الدول الإفريقية لوحظ أن انتشاره كان بطيئا بدرجة كبيرة عن سرعة انتشاره فى دول أخرى خاصة أوروبا وأمريكا وإيران. وقد فسر ذلك بعدة تفسيرات، بعضها أرجع عدم الانتشار السريع إلى قلة السفر والسياحة نسبيا بين أوروبا والدول الإفريقية باستثناء دول شمال إفريقيا وجنوب إفريقيا، وفسره البعض الآخر بأن الشعوب الإفريقية، خاصة جنوب الصحراء، تتعاطى الأدوية المضادة للملاريا، وبعضها تعاطى أدوية مضادة لفيروس ايبولا، وأن هذه الأدوية أكسبتهم مناعة نسبية ضد الفيروسات، وقد استخدمت بعض الدول غير الإفريقية أدوية الملاريا لعلاج بعض الحالات التى أصيبت بفيروس كورونا المستجد، ومازالت تجرى تجارب عليها.
ولكن مفوضية الاتحاد الأوروبى ترى أنه لابد من الأخذ فى الاعتبار أن احتمالات انتشار فيروس كورونا المستجد فى إفريقيا قائمة وواردة وأنها يمكن أن تواجه خلال الأسابيع أو الأشهر القادمة نفس التحديات التى تواجهها دول الاتحاد الأوروبى، ومن ثم فإنهم فى حاجة إلى المساعدة ليتمكنوا من إيقاف انتشار الفيروس بفاعلية وتعزيز النظم الصحية، وإبقاء المواطنين فى وظائفهم ودعم اقتصاداتهم. ويبحث الاتحاد الأوروبى تقديم 15 مليار يورو (16.3 مليار دولار أمريكى) لدعم عدة دول فى إفريقيا وغيرها من مناطق العالم لمواجهة أزمة انتشار فيروس كورونا المستجد.
وثمة أغلبية بين الخبراء على أنه إذا حدث وانتشرت جائحة كورونا على نطاق واسع فى إفريقيا كما حدث فى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، فإنه سيكون كارثيا خاصة فى الدول الفقيرة ذات الكثافة السكانية العالية، لأن مقاومة هذا الوباء تتطلب درجة عالية من النظافة التى تحتاج إلى مياه نظيفة، وعمليات تعقيم جيدة، ومواد غذائية تساعد على تقوية المناعة، ومنظومة صحية على مستوى معين من الكفاءة، وأطقم طبية وتمريض ذات خبرة وتدريب جيد. وإن الواقع العملى يشير إلى أن معظم الدول الإفريقية، خاصة فى المناطق الريفية، والأحياء الشعبية الفقيرة من المدن، تفتقر إلى كل أو معظم هذه المقومات الأساسية لجعلها قادرة على مواجهة جائحة كورونا المستجد.
وقد سبق أن حذر بيل جيتس فى عام 2014 خلال انتشار وباء إيبولا فى منطقة غرب إفريقيا، من أن الخطر القادم قد يقضى على ملايين الأشخاص وذلك ليس بالحروب وإنما بالأوبئة. وقد أدى مرض إيبولا وقتها إلى وفاة 11310 أشخاص فى الدول الإفريقية التى انتشر فيها، ولكنه لم ينتقل إلى القارات الأخرى إلا فى حالات فردية محدودة للغاية. وبالرغم من هذا الإنذار الواضح والذى سبقته أمراض أخرى مثل سارس، وإنفلونزا الخنازير، إلا أن منظمة الصحة العالمية والدول الإفريقية ومعها الدول المتقدمة لم توجه المزيد من الاستثمارات إلى مراكز البحوث الطبية خاصة فى مجالات الفيروسات والبكتيريا، لذا فقد فوجئت بجائحة كورونا المستجد وسرعة انتشارها من الصين إلى أوروبا وأمريكا ودول أخرى عديدة، دون أن يتوافر دواء للوقاية والعلاج، وأصبح هذا الوباء يهدد القارة الإفريقية خاصة أنه بدأ ينتشر فى مناطق إفريقية متفرقة.
***

وسواء انتشرت جائحة وباء كورونا المستجد فى إفريقيا على نطاق ضيق أو نطاق واسع، فإن الآثار الاقتصادية المحلية فى كل دول العالم، خاصة فى الدول الكبيرة والمتقدمة، وما يترتب عليها من ركود اقتصادى، وتوقف السياحة، وتوقف أو الانخفاض الكبير لتدفق الاستثمارات، وتراجع البورصات العالمية بصورة غير مسبوقة، كل ذلك لن تسلم منه إفريقيا وستكون فى أشد الحاجة إلى مزيد من التعاون الدولى من جانب الدول المتقدمة التى لديها مقدرة أكبر على مواجهة الأزمة وتجاوزها، لأن هذه الجائحة الخطيرة تهدد حياة الإنسان من جميع الجوانب الصحية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية، ولن يستطيع العالم ومنظماته الدولية أن يتجاهل ضرورة وأهمية هذا التعاون نظرا لترابط وتشابك وتداخل المصالح المشتركة بين الدول المتقدمة والدول الإفريقية فى جميع الأنشطة الاقتصادية والتجارية والاستثمارات.
وقد عُقدت قمة إفريقية افتراضية عبر الإنترنت، شارك فيها الرئيس السيسى وعدد من الزعماء الأفارقة وأعضاء هيئة مكتب الاتحاد الإفريقى، بحثوا خلالها تداعيات جائحة كورونا على الدول الإفريقية من الجوانب الصحية والاقتصادية وكيفية التعاون بين الجميع لمواجهتها. كما شارك وزير خارجية مصر سامح شكرى يوم 9/4/2020 عبر الإنترنت فى مؤتمر وزارى شارك فيه أعضاء هيئة المجلس التنفيذى للاتحاد الإفريقى، بحثوا أهمية أن تتحدث إفريقيا بصوت واحد مع الشركاء الدوليين فيما يتعلق بمواجهة جائحة كورونا، وتحديد أولويات واضحة تخدم دول القارة وتقدم من خلال هيئة مكتب الاتحاد الإفريقى، ومتابعة ما اتفق عليه القادة من إنشاء صندوق لتوفير الموارد اللازمة لدعم جهود مكافحة جائحة كورونا المستجد وتقديم التوعية من 12 دولة إفريقية برئاسة وزيرة الصحة المصرية. وأكدت مصر دعم إنشاء قوة عمل على مستوى الخبراء من اللجنة التنسيقية لمبادرة الاستجابة الإفريقية للجائحة، وذلك بالتنسيق مع الاتحاد الإفريقى ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا.
***
وحذر خبراء فى المجال الصحى فى كل من أوروبا وأمريكا من أنه حتى إذا استطاعت أمريكا والدول الأوروبية التغلب على الموجة الأولى من جائحة كورونا المستجد، فإنها إذا انتشرت على نطاق واسع فى إفريقيا قد ترتد إلى كل هذه الدول فى موجات متتالية سواء بسبب ضعف الإمكانيات فى الدول الإفريقية والدول النامية لمواجهة الجائحة، أو نظرا لأن أدوية الوقاية والعلاج من فيروس كورونا المستجد، معتمدة وتنتج على نطاق واسع لن تكون متوفرا قبل منتصف 2021.
وتبذل مصر ودول شمال إفريقيا والدول الإفريقية الأخرى التى وصلت إليها جائحة كورونا أقصى ما يمكن للتصدى للجائحة ومحاصرتها فى أضيق نطاق، مع التفاوت الكبير فى الإمكانيات المتاحة بين شمال إفريقيا وجمهورية جنوب إفريقيا وما لديهم من مواد طبية وأطقم أطباء وتمريض، وبين الدول الأخرى التى رصدت منظمة الصحة العالمية منها عشر دول لا يتوافر فيها أى أجهزة تنفس صناعى. ويقع عبء كبير على المنظمة لتقديم كل المساعدات الممكنة للدول الإفريقية لمواجهة انتشار الجائحة. وإنه لمن المثير للاهتمام أنه فى الوقت الذى تحتاج فيه منظمة الصحة العالمية إلى مزيد من الدعم والتمويل نجد أن الرئيس الأمريكى ترامب يعلق مساهمة حكومته فى ميزانية المنظمة ويتهمها بعدم الشفافية والتماهى مع الصين فى عدم الكشف من البداية عن خطورة فيروس كورونا المستجد وأنه ينتقل من إنسان إلى إنسان آخر بالعدوى سريعة الانتشار. وقد لاقى هذا الموقف الأمريكى اعتراضا وانتقادا سواء من أمين عام الأمم المتحدة أو الدول الأوروبية والعديد من الدول الأخرى، وأنه لا التوقيت ولا الظروف مناسبين على الإطلاق لمثل هذا الإجراء وتخلى الولايات المتحدة عن مسئوليتها الدولية فى مجال مكافحة جائحة كورونا.
وقد أثارت جائحة كورونا مشاحنات واتهامات بالعنصرية لأطباء فرنسيين أشاروا فى تصريحات لهم إلى اقتراح تجربة بعض الأدوية لمعالجة فيروس كورونا المستجد على بعض الأفارقة، وهو ما أدى إلى تقديمهم توضيحات واعتذار عن ما بدر منهم. وقد أدان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية هذه التصريحات ووصفها بالعنصرية، وأكد أن إفريقيا لا يمكن أن تكون، ولن تكون، حقل اختبار لأى لقاح، وندد بما أسماه العقلية الاستعمارية التى تفكر بهذه الطريقة.
كما تناولت أجهزة الإعلام الأمريكية بيانات تشير إلى أن الأمريكيين من أصول إفريقية أكثر عرضة للوفاة بفيروس كورونا المستجد، وهو ما يبين وجود تفاوت منذ زمن فى الحالة الصحية، وعدم مساواة فى الحصول على الرعاية الطبية. هذا إلى جانب عوامل بيئية حيث يعيشون فى مناطق فقيرة مستوى النظافة فيها منخفض، وانخفاض دخولهم ومستوى تعليمهم بصفة عامة.
وسيبقى الوضع فى إفريقيا بالنسبة لمواجهة انتشار جائحة كورونا تحت المراقبة الحذرة سواء من الدول الإفريقية، أو الدول الأوروبية وأمريكا.. وهل فعلا يساعد تعاطى دواء مقاومة الملاريا والظروف المناخية الحارة، وتعرض الدول الإفريقية، خاصة جنوب الصحراء، لموجات سابقة من الأوبئة والفيروسات، على اكتساب الشعوب الإفريقية مناعة أقوى وأفضل من غيرهم من الشعوب، أم أن فيروس كورونا المستجد سيتخطى كل هذه العوامل وينتشر على نطاق واسع فى إفريقيا فى المرحلة القادمة فيما يهدد بموجات إصابات جديدة فى أوروبا وأمريكا وغيرهما؟
هذا ما سيتضح فى الأيام القادمة سواء بتراجع انتشار فيروس كورونا أو تزايده فى القارة الإفريقية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved