السلفادور.. ممر الأخطار

داليا شمس
داليا شمس

آخر تحديث: السبت 3 يونيو 2017 - 9:35 م بتوقيت القاهرة

لفت نظرى الاسم على صفحات الجرائد فى إطار تغطية القصف الجوى المصرى لأهداف فى ليبيا، فقد استهدفت الضربات المصرية «ممر السلفادور» فى الجنوب، ضمن مواقع أخرى، فى أعقاب مذبحة مسيحى المنيا. ربما ترجع تسميته للحقبة الإيطالية، لكننى لا أعرف أصلها، فقط أحاول أن أميز ملامح الممر الجبلى الضيق الذى يقع على ارتفاع 879 مترًا، فى المثلث الحدودى بين ليبيا والنيجر والجزائر. فطالما ما شكل الجنوب الليبى ملاذًا آمنًا للجماعات السياسية والدينية والقبلية فى صراعها مع السلطة، سواء كان ذلك فى فترة الحكم العثمانى أو تحت الاحتلال الإيطالى. وخلال السنوات الماضية، نزح إليه أعضاء الجماعات الجهادية العابرة للدول، ومن ضمنها تنظيم القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامى والمرابطون وأنصار الدين. وبعد الثورة الليبية، أقامت هذه المجموعات روابط مع مجموعات مسلحة محلية وجهاديين فى الشمال، ولا سيما فى الشمال الشرقى فى مدن بنغازى ودرنة وأجدابيا، إذ كان خط الإمدادات اللوجستية، فى جنوب ليبيا، التابع لتنظيم القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامى، يغذى شبكات أنصار الشريعة، عبر نقل جهاديين من الجزائر ومالى وسواهما من دول الساحل إلى معسكرات الشمال ومن هناك إلى سوريا، وفقا لما ذكره المراقبون ومنهم فريدريك ويرى، باحث أول فى برنامج الشرق الأوسط بمؤسسة كارنيجى فى ورقة بعنوان «فقدان الأمن وتحديات الحكم فى جنوب ليبيا».
متمردون من مالى والنيجر يحتمون بممر السلفادور هربًا من التضييق الفرنسى، معسكرات سرية لتجنيد مئات الجهاديين من شمال وغرب ووسط إفريقيا، إضافة إلى جنوب الصحراء الكبرى، يتم تدريبهم لإرسالهم فيما بعد إلى شمال مالى أو سورية أو العراق... طرق وعرة وأغاريد وجبال صخرية وصحارى تاريخية مثل فزان، الأجواء فى محيط ممر السلفادور تشبه أفلام الغرب الأمريكى أو «الويسترن»، حيث المغامرات وقصص المطاردات والجاسوسية، مثلما صارت حياتنا فى هذه المنطقة من العالم: إما فيافى وعربات أسلحة، إما نازحين وأكوام من الركام والبيوت المهدمة والجثث المحترقة.
***
ممر التهريب صار يتكرر اسمه أكثر فأكثر فى الصحف، لا نعرف بالضرورة من هو سلفادور، لكننا نعرف أنه الطريق الذى يسلكه العديد من مهربى السلاح والنفط والسجائر والمخدرات والبشر. الجميع هنا خصوم يتنافسون على التهريب عبر الحدود، خاصة أبناء الطوارق والتبو، وهما جماعتان غير عربيتين تعرضتا طويلا للتهميش والتلاعب، تارة بالترهيب أو الترغيب، خلال حكم القذافى. هؤلاء هم الأبطال الدائمون للمكان وسكانه الأصليون الذين يعرضون خدماتهم على الأطراف المختلفة، ينضم إليهم بعض العابرين الذين من شأنهم أن يزيدوا الحبكة تشويقا ويخلدوا ذكرى مثلث السلفادور لمجرد أنهم مروا به خلال هروبهم الكبير، فشخصيات هذا المكان الذى اشتهر فجأة ينتمون بالأحرى لجغرافيا الترحال مثل زعيم جماعة المرابطون، مختار بلمختار الذى ولد فى يونيو 1972 فى الجزائر ومات أيضًا فى شهر يونيو سنة 2015 فى ليبيا.
***
كان هذا الأخير عراب الإرهاب فى منطقة الساحل الإفريقى. قائد بعين واحدة، حمل العديد من الألقاب: أمير منطقة الصحراء فى الجماعة الإسلامية المسلحة، أمير كتيبة «الملثمين» فى تنظيم القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامى، مؤسس كتيبة «الموقعون بالدم». عندما قرر الانسحاب بقواته من شمال مالى توجه إلى جنوب ليبيا عبر ممر السلفادور فى العام 2013، وبالطبع كان الانتقال بمساندة الطوارق الذين اجتمعوا مع التبو وآخرون على أن تكون الحدود غير مضبوطة. وهؤلاء أنفسهم هم من رتبوا انتقال سيف الإسلام القذافى إلى مثلث السلفادور للعلاج على يد طبيب قدم خصيصا من النيجر، إذ كان مصابًا فى يده وجنبه من جراء قصف قوات الناتو التى لاحقته بعد خروجه من معقله بمدينة بنى وليد فى أكتوبر 2011. وكان قد سبقه إلى الطريق نفسه رئيس مخابرات القذافى والرجل الثانى فى نظامه، عبدالله السنوسى، الذى هرب أيضًا إلى النيجر عبر ممر السلفادور، محملا بحقائب الدولارات وسبائك الذهب، مباشرة بعد سقوط طرابلس. أربعة أشهر فى الصحراء، وفقا للروايات المختلفة لهذا الهروب الكبير الذى سيصل به إلى موريتانيا، وبعدها تسلمه الأخيرة إلى فرنسا ورئيسها ساركوزى، الحريص على أن يكون «الصندوق الأسود» لنظام القذافى فى قبضته. دم ودولارات وتخابر وتهريب وطريق ضيق يصعب السيطرة عليه، تلك هى قصص ممر السلفادور، وقصص حدود هذه المنطقة الشائكة الذى لا تخلو روايتها من أبعاد ملحمية، ولن تعد كما كانت من قبل، فهى تتعرض لإعادة ترسيم متعمد.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved