الناتج وما بعده والأهم ما قبله
محمود محي الدين
آخر تحديث:
الأربعاء 3 يونيو 2026 - 7:10 م
بتوقيت القاهرة
استدعى الجدل المتصاعد عن مدى دقة وشمول مؤشر الناتج المحلى الإجمالى فى متابعة أداء الدول الاقتصادى ومقارنتها بعضها ببعض، تكليف الأمم المتحدة لجنة من الخبراء لتقييم هذا المؤشر المعمول به منذ أربعينيات القرن الماضى، واقتراح البدائل. وصدر فى شهر مايو الماضى التقرير النهائى للجنة، التى رأسها الاقتصادى الهندى الأستاذ بجامعة كورنيل كاوشيك باسو، والاقتصادية الأرجنتينية الأستاذة بجامعة تولين، نورا لوستيج، بعنوان «قياس ما يهم: بوصلة لتقدم الناس والكوكب». وتضمّن التقرير، بعد عام من المشاورات، توصيات تقترح تغيير طريقة تقييم أداء الدول بنظام محاسبى جديد. ولا يستبعد التقرير الناتج المحلى الإجمالى، ولكنه يعتمد لوحة مؤشرات تتضمنه ولكن لا تحمّله ما لا يحتمل، وتستند إلى أربعة محاور:
1 ــ السلام وحقوق الإنسان. 2 ــ رفاه عموم الناس وكوكب الأرض. 3 ــ الإنصاف والشمول 4 ــ الاستدامة والمتانة.
ولنستأنس بالتاريخ لفهم المشكلة. ففى كتاب للاقتصادية البريطانية ديان كويل عن بدايات استخدام مؤشر الناتج المحلى الإجمالى يتجلى الارتباط بين تطور الاهتمام بالحسابات القومية، ورصد الأداء الاقتصادى العام منذ القرن السابع عشر بالحروب والقدرة على جباية الضرائب لتمويلها.
وطوَّر الاقتصادى الأمريكي، الروسى الأصل، سيمون كوزنتس، الحائز جائزة نوبل فى الاقتصاد، مؤشر الناتج المحلى الإجمالى فى تقرير للكونجرس الأمريكى فى عام 1934. وفى مؤتمر بريتون وودز الذى عُقد فى عام 1944 تم اعتماد الناتج المحلى الإجمالى مؤشرا رئيسيا للأداء الاقتصادى وتطوره للفترة التالية للحرب العالمية الثانية حتى اليوم.
ويحصر المؤشر ما أنتجه الاقتصاد من سلع وخدمات فى سنة محددة، ومكوناته هى الاستهلاك الإجمالى والإنفاق الحكومى، وصافى الصادرات. وقد توسع استخدام المؤشر بالرصد المستمر لأداء اقتصادات الدول، وبحكم الاعتياد أصبح هذا الرقم الإحصائى البسيط بعد تداوله وشيوعه بمثابة المؤشر العام لقياس نجاح وفشل الاقتصاد، وحول دلالاته تتنافس القوى السياسية، وتضطرب بسببه الأوضاع العامة، وقد تسقط بسببه حكومات.
وفى مقال منشور فى سبتمبر 2024 بمجلة «لانست»، استعرضت الباحثة أنجك جانسن ومجموعة من الباحثين على مدار خمسة عقود أدبيات من محاولات للتمرد على الاعتماد على مؤشر نمو الناتج المحلى مؤشراً أحادياً لقياس الرفاه والازدهار.
فعلى الرغم من أن الناتج كانت له تاريخياً علاقة طردية بتحسن مستوى المعيشة؛ لكنه لا يقيسها بشكل مباشر. وإنه بعد حد معين من الدخل تفتر العلاقة بين زيادة الناتج والدخل من ناحية ومستوى المعيشة من ناحية أخرى. وإنه بمنظور طويل الأجل للعلاقة بين الرضا أو السعادة ونمو الدخل ينخفض تأثير الناتج منفرداً. فالناتج المحلى ليس العامل الوحيد فى تحسن مستوى المعيشة. ولتنظر فى أحوال من نمو الناتج مع انحسار فى فرص العمل، التى تشهدها بعض المجتمعات كأن يكون الناتج كثيفاً فى رأس المال، أو بتكنولوجيا طاردة للعمالة فى بعض القطاعات.
فهذا المؤشر لا يحسب، ولم يدع حساب العمل بلا أجر كرعاية الطفل والمحتاجين للعون فى الأسرة، رغم قيمتها الإيجابية للمجتمع والاقتصاد. كما لا يكترث، ولم يدع الاكتراث بعدالة توزيع الدخل. كما لا يقيس، ولم يدع القياس، لتكلفة استنزاف الموارد الطبيعية الناضبة والتلوث البيئى. وبالتالى، فإن الناتج رغم أهميته الحيوية التى لا يجب بحال التهوين منها، ولا يجب أن يكون مقياساً منفصلاً للرفاه أو العدالة أو الاستدامة، فى أى مجتمع. ومن الجدير بالذكر، أن مصمم مؤشر الناتج المحلى الإجمالى سيمون كوزنتس نفسه قد حذَّر من استخدامه بمفرده لتقييم رفاه المجتمعات والأمم. وحتى لا تشتط الحماسة بالبعض فيهمل هذا المؤشر، فمن دون الناتج ونموه نمواً مطرداً وعادلاً ومستداماً فلا سبيل للتقدم بحال.
وفكرة استخدام لوحة مؤشرات أو مفاتيح بدلاً من الاعتماد على مؤشر وحيد، تم تناولها من قبل باجتهادات مختلفة. كان منها ما استعرضتُه مستشرفاً لنتائج مشروع الأمم المتحدة فى هذه الصحيفة الغراء فى مقال منشور فى أكتوبر (تشرين الأول) 2023 عن توطين التنمية. وقد استندتُ فى هذا إلى مجموعة عمل قادها مايك سبنس الحائز «نوبل فى الاقتصاد» فى عام 2014، وكنتُ أحد أعضائها وخرجت بتقرير عن «نماذج النمو الجديدة، والتحديات والخطوات لتحقيق أنماط لنمو أكثر عدالة وشمولاً واستدامة». وأضافت المجموعة إلى مؤشر نمو الناتج مؤشرات عن حساب رأس المال الطبيعى، والبطالة، والعدالة بين الجنسين، والتنافسية، والاستثمارات العامة، وتكافؤ الفرص.
وبصدور تقرير خبراء الأمم المتحدة نحن بصدد منظومة من 31 من المؤشرات التى تضمها لوحة مقسمة إلى محاور أربعة رئيسية، ويرتبط أكثر من نصفها ارتباطاً مباشراً بأهداف التنمية المستدامة: المحور الأول مجموعة مؤشرات عن الحوكمة وكفاءة المؤسسات وضماناتها والثقة بها لترسى قواعد الحقوق والسلم للبشر والكوكب. والثانى مقاييس تعكس أحوال الناس المعيشية وظروفهم المادية والعمل، والصحة، والتعليم، والأمن، والتماسك الاجتماعى، وجودة البيئة. والثالث معنى بالعدالة والشمول ويقيّم من خلال مؤشرات الفقر، التفاوت فى توزيع الدخل والفجوات بين مجموعات السكان وبين الأجيال. والرابع معنى بالاستدامة والمتانة بما يربط الأوضاع الراهنة بمستوى المعيشة المستقبلي، وذلك من خلال قياس أنواع مختلفة لرأس المال بما فى ذلك البشري، والاجتماعى، والمادى، والمؤسسى، والطبيعى.
إذن، خرج التقرير وأوصى بما أوصى لقياس أداء الأمم بما هو أدق وأشمل وأكثر دلالة لعموم الناس وصناع القرار، وفقاً لتقرير معديه. والعبرة كما هى دائماً فى السياسات العامة بالتطبيق، ولهذا نقاش آخر يتناوله مقال مقبل.
نقلا عن الشرق الأوسط