بريطانيا تفتح ثغرة فى حظر النفط الروسى
قضايا اقتصادية
آخر تحديث:
الأربعاء 3 يونيو 2026 - 7:20 م
بتوقيت القاهرة
قلّصت الحكومة البريطانية الحظر الذى كانت قد فرضته على المنتوجات النفطية الروسية، تحديدًا وقود الطيران والديزل اللذين يكرران فى مصافى دول ثالثة. وهو حظر أُقر من قبل عدد من الدول الغربية عند اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
السبب فى هذا القرار البريطانى يعزى إلى محاولة إعادة الاستقرار لأسواق النفط العالمية، فيما يستمر التشويش والحظر حول حرية الملاحة فى مضيق هرمز، والذى كان آخره فرض الولايات المتحدة عقوبات على «الهيئة الإدارية لإدارة مضيق هرمز» التى أسستها الحكومة الإيرانية مؤخرًا لإدارة الملاحة فى «المضيق»، وبعد أن أعلنت طهران أنها ستنظر فى فرض الرسوم على ناقلات بعض الدول التى ستبحر فى المضيق، مستثنية بذلك الدول «الصديقة» دون تحديد هويتها. وهو ما قوبل برفض من معظم دول العالم.
الولايات المتحدة من جهتها اتخذت قرارًا مشابهًا لذاك البريطانى بتخفيف الحظر عن بعض المنتجات النفطية الروسية، المكررة فى دول ثالثة. وكانت الولايات المتحدة التى تستورد إمدادات قليلة من النفط الروسى، نظرًا لكونها دولة نفطية كبرى وذات العديد من مصافى التكرير. لكن واشنطن اتخذت قرار الحظر فى عام 2022 أسوة ببقية الدول الغربية والأعضاء فى حلف «الناتو». واليوم، اتخذت واشنطن قرارها أسوة ببريطانيا بهدوء ودون ضجيج، من أجل تقليص الضغط على الأسواق النفطية، إلى حين الوصول إلى اتفاق نهائى لإنهاء حرب إيران.
تكمن أهمية تخفيف الحظر الجزئى فى كونه خطوة أولية لاعتراف بعض الدول الصناعية الغربية بضرورة التعامل مع النقص فى الإمدادات النفطية الناتج عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتقليص الشح فى الإمدادات النفطية، ومن ثم إمكانية زيادة إمدادات هذه المنتجات فى الأسواق بأسعار معقولة أكثر، نظرًا لتأثير الأسعار العالية لوقود المواصلات على التضخم الذى عم الأسواق عمومًا، بالذات أسعار السفر والشحن الجوى، ناهيك عن دورها فى ارتفاع أسعار النقل وكذلك التضخم للمواد الاستهلاكية والصناعية الذى شاع فى الأسواق العالمية منذ اندلاع الحرب الإيرانية.
اتُّخذ القرار البريطانى فى البرلمان آخذًا فى الاعتبار انعكاسات وردود فعل الرأى العام لإغلاق وتسييس العبور فى مضيق هرمز الذى استعملته طهران فى الضغط على ملاحة النفط العالمية، كون «المضيق» يعتبر واحدًا من أهم المراكز فى سلسلة الإمدادات النفطية عالميًا. وقد أدت التشنجات والإغلاق إلى تأخر وتعطيل العشرات من الناقلات فى عبور الخليج العربى بصورة نظامية.
كان واضحًا للمسئولين النفطيين منذ اليوم الأول للحرب، الخطورة والنتائج المترتبة على إغلاق مضيق هرمز، نظرًا إلى الحجم الضخم لملاحة الناقلات عبر هذا المضيق. وقد عبر أكثر من مسئول نفطى عربى عن خطورة استمرار التشنجات والإغلاق للمضيق.
كما كان هذا الأمر واضحًا أيضًا للمسئولين الإيرانيين، رغم أنهم لم يثيروا إمكانية التدخل فى «ترانزيت» الناقلات عبر «المضيق» فى بادئ الأمر، بل أعلنت الحكومة الإيرانية عن سياساتها حول الموضوع منذ الأسبوع الثانى للحرب، بعد أن اطمأنت لسيطرتها على الحكم، رغم الادعاءات والشعارات التى طرحها التحالف الأمريكى الإسرائيلى منذ بداية الأسبوع الأول للهجوم عن نواياهم فى تغيير نظام الحكم فى طهران، كأحد الأهداف الرئيسة للحرب.
بدأت طهران تثير الأسئلة والشكوك حول حرية الملاحة فى مضيق هرمز، بل تم إغلاق الملاحة فيه بعد الأسبوع الثانى للحرب، الأمر الذى أثار الكثير من الاستغراب فى الأوساط الدولية والنفطية، إذ لم يكن الموضوع مثارًا علنًا من قبل التحالف الأمريكى الإسرائيلى فى بداية الحملة العسكرية.
استغلت طهران ورقتها الأساسية فى المفاوضات التى جرت فى باكستان لاحقًا. فكلما ازدادت الضغوط العسكرية والسياسية على طهران، ازداد التعنت والتعقيد الإيرانيان للمفاوضات مع واشنطن، معتمدين فى ذلك على «ورقتهم الأساسية»: مضيق هرمز. علمًا منهم بالأهمية الجيواستراتيجية للمضيق، والآثار المترتبة على الشكوك المثارة حول حرية الملاحة فيه. ومن بين الشكوك، هناك الدعوة الأمريكية أن تصاحب سفينة من البحرية الأمريكية للناقلات التى ستبحر فى المضيق، ثم إعلان بريطانيا، مدعومة بتحالف دولى من نحو 40 دولة، عن استعدادها توفير الحماية للناقلات المبحرة عبر المضيق.
اكتنفت هذه المرحلة سلسلة من التصريحات الأمريكية الرسمية على أعلى المستويات، والتى شكك بها أو نفاها الإيرانيون لسبب أو لآخر، الأمر الذى أدى إلى تشويش الأسواق، والانعكاسات المتوقعة لأسعار النفط، فى الارتفاع أو الانخفاض، بعد تصريح إيجابى بإمكانية الاتفاق ثم نفيه من قبل الطرف الآخر. وتبقى «الورقة الأساسية» لطهران مسألة مضيق هرمز التى تبقى مستمرة فى الضغط بها، ليس فقط على الصناعة النفطية العالمية، بل أيضًا استقرارية الاقتصاد العالمى التى نخر فيها التضخم العالى والسريع.
من ثم، فإن القرارين البريطانى والأمريكى يشكلان خطوة أولى من قبل الدول المستوردة للنفط فى تخفيف الأوضاع فى الأسواق العالمية لتغيير الصورة التى نشبت مع الهجوم على إيران، والتى كانت مثقلة بالأعباء جراء الحظر الواسع على المنتجات النفطية الروسية منذ بداية الغزو الروسى لأوكرانيا.
وليد خدورى
صحيفة الشرق الأوسط اللندنية