الريف المصرى المتجدد

نبيل الهادي
نبيل الهادي

آخر تحديث: السبت 3 يوليه 2021 - 7:30 م بتوقيت القاهرة

بداية الريف المصرى ترجع لاختراع الزراعة فى مصر قبل أكثر من سبعة آلاف سنة طبقا لبعض المؤرخين والباحثين الأثريين. قبل ذلك ونتيجة وفرة الأمطار ووجود الغابات كان الإنسان يستطيع أن يذهب للغابة القريبة ويجمع الثمار التى يحتاجها لغذائه أو يصطاد من الحيوانات ما يطعم به عائلته. وكان اختراع الزراعة استجابة للتغيرات المناخية الكبرى فى نهاية العصر الجليدى الذى سبق عصر الهولوسين الجيولوجى، والذى دفعت أعداد كبيرة من البشر للتحرك ليكونوا بالقرب من الماء العذب المتوافر باستمرار لأن الأمطار لم يعد بالإمكان الاعتماد عليها لقلّتها وعدم كفايتها. كانت الأنهار مثل نهر النيل هى أحد أفضل الأماكن لضمان المياه العذبة نظرا لإيقاعاته التى يمكن التنبؤ بها وأيضا لأن فيضانه لم يكن بالقسوة والعنف التى لازمت أنهارا أخرى.
مع اختراع الزراعة واستئناس الحيوانات كان على الناس البقاء بجانب مزروعاتهم وعائلاتهم حتى يمكنهم ضمان الطعام طوال العام. هذا الاستقرار بجوار النيل لوجود المياه العذبة التى يرتوى منها البشر والكائنات الأخرى بالإضافة لتوفير مياه الرى هو البداية الحقيقية للحضارة المصرية. هذه الظروف الأولية هى التى شكلت الحمض النووى الأصلى للشعب المصرى. والتى يضعها الراحل الرائع الدكتور السيد أحمد السعيد فى كلمتين «فلاح ملاح»؛ والمصرى الفلاح هنا الذى يرتبط بالأرض المتجددة والتى ترتبط بالمنظومة المعقدة للبيئة المصرية والتى تلعب المياه فيها دورا رئيسيا. والمصرى أيضا ملاح ليس فقط كما يشرح الدكتور السيد من خلال استكشافه لعوالم أخرى كما أظهرت رحلات الملكة المصرية حتشبسوت. ولكن الملاحة كانت جزءا رئيسيا فى تطور الحضارة المصرية كما يوضح بعض علماء الآثار لأن القوارب الأولية المصنوعة من نبات البوص النامى على شواطئ النيل مكّنت القرى الأولى من التبادل والتعارف، ولم يقف النهر المتسع كعقبة أمامها بل أصبح وسيلة للتقارب والتعلم وبناء الخبرات المركبة، وظهر ذلك واضحا بصورة خاصة فى أن كل مدينة على النهر كان لها ميناء يستخدم لنقل البضائع والبشر ليس فقط بين شرق وغرب النيل بل بين شمال وجنوب مصر أيضا.
•••
القرية المصرية لم تنشأ وتتطور فقط بفضل وجود النيل، بل أيضا بابتكارات المصرى القديم التى استمرت فى حياتها وتطورها من خلال ارتباطها بإيقاعات النيل. من أول اختراع الرى بالحياض إلى اختراع الشادوف وباقى التقنيات التى بالرغم من أنها قد تبدو لنا اليوم بسيطة أو ربما بدائية ولكنها كانت فتحا كبيرا فى وقتها ومكنت المصريين والمصريات من استخدام مياه النيل بأفضل صورة متاحة ومع عدم التسبب فى مشكلات للبيئة الطبيعية للنهر. وتعلم الفلاح المصرى استخدام كل الموارد المتاحة وتدويرها كما فعل مع روث الماشية بحيث يتمكن من دعم الدورة الطبيعية للتربة ويحسّن من جودة زراعته. وكما أظهرت العديد من الدراسات العلمية الحديثة عن التنمية المستدامة فإن المعارف التقليدية هى واحدة من المكونات المهمة للتعامل مع تحدياتنا الحالية خاصة فى مجال الزراعة المستدامة.
لم تكن إيقاعات النهر ببساطة إيقاعات زمنية ولكنها إيقاعات حيوية أساسا أمنت التجدد اللازم لمكونات بيئة القرية وسمحت لسكانها بالاستمرار فى الحياة والإسهام بصورة رئيسية فيما سمح لاحقا للمنجزات الحضارية الرئيسية المصرية من علوم متقدمة وتقنيات رائدة ومعابد مذهلة أن تتبلور وتظهر وتبقى بالصورة التى ما زالت تثير خيال الملايين. وطورت القرية المصرية من نفسها من خلال بناء التل الصناعى المرتفع والذى يتخذ شكلا دائريا لكى يحمى سكان القرية وقت الفيضان ويمثل تجسيدا حقيقيا لما يعرف اليوم بالمرونة التى تمكن البيئة العمرانية من التعامل مع الظروف الطبيعية المختلفة مع تجنب المشاكل والآثار السلبية الكبرى.
•••
التطور الكبير للغاية للعلم وخاصة فيما يخص المناخ مكننا من فهم الارتباطات الوثيقة بين الأنشطة البشرية المكثفة خاصة مع بدء الثورة الصناعية فى منتصف القرن العشرين وتدهور البيئة الطبيعية والذى وصَل لمدى خطير للغاية يهدد فيه البيئة الطبيعية والكائنات التى تعيش فيها، ونحن واحد منها بالطبع. وأحد أهم النقاط الرئيسية فى هذا الصدد هى إعاقة التدفقات الطبيعية للموارد الرئيسية مثل الماء سواء من خلال التحكم المفرط من خلال بناء السدود أو من خلال تسرب التلوث المتعدد المصادر إليها. واضطراب الدورات الطبيعية المسئولة عن صحة التربة هى أيضا من المشكلات الكبرى. كما تسببت الغازات العديدة الناتجة عن الصناعة والتنقل الكثيف المعتمد على المحركات التى تدار بمشتقات البترول. كما تسببت أيضا الغازات الناتجة عن تربية الحيوانات بصورة صناعية وأيضا تلك الناجمة عن المزارع الكبيرة والكثيفة والمعتمدة أساسا على المحصول الواحد فى اضطراب الهواء الذى نتنفسه لحد خطير ولكنها لم تتوقف عند ذلك بل شكلت غلافا رقيقا يعكس الموجات الحرارية للأرض مما يتسبب فى زيادة حرارة الأرض وتغير المناخ.
ونستطيع من خلال ملاحظاتنا المتعددة على مدى أكثر من خمس سنوات بالإضافة للدراسات والبيانات المتوافرة محليا، بالإضافة لتلك التى أجريناها وأيضا بالاستناد للأبحاث العالمية، أن نرى أن الانفصال عن الإيقاعات الطبيعية هو واحد من أهم الأسباب التى ساهمت فى تدهور الريف المصرى بالإضافة بالطبع للعديد من الأسباب الأخرى الاجتماعية والاقتصادية وغيرها. وهذا الفهم هو ما يحركنا فى دراسة بدأت منذ عدة سنوات تعاملت مع الريف المصرى وهى وإن بدأت كاستكشاف لمدى تأثير التغيرات المناخية على العمران المصرى سواء فى المدينة أو فى الريف إلا أنها مكنتنا من التوصل إلى فهم أكثر تركيبا للتحديات التى تواجه هذا العمران.
أتمنى أخيرا أن يكون هناك نقاش أعم وجاد حول الريف المصرى الذى لابد أن يتجدد إذا أردنا للمصريين والمصريات جميعا أن يتقدموا خطوات للأمام، وإذا أردنا حماية البيئة الطبيعية التى يعيش فيها سكان الريف والتى من الواجب علينا جميعا العمل على صيانتها وحمايتها لإيصالها للأجيال القادمة بصورة نتمنى أن تكون أفضل مما تسلمناها.
أستاذ العمارة بجامعة القاهرة

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved