حكماء مصر
شريف عامر
آخر تحديث:
الإثنين 3 أغسطس 2026 - 5:40 م
بتوقيت القاهرة
لم تكن زيارة الطبيب لمنزلنا، فى المعظم الأعم، مرتبطة بمرض أحد سكانه.
كان من الطبيعى أن يدق الباب أطباء كثر من تخصصات متعددة، فى زيارة صداقة مع الوالد. أحدهم قد يكون رائدًا فى جراحة العظام، أو أمراض القلب، أو العلاج النفسى.
حيَّرتنى هذه الزيارات كثيرًا لاختلاف المجالات والطباع، ثم وصلت إلى قمتها عندما عبَّر أخى يومًا عن مجرد خاطر باحتمالية أن يستهدف دراسة الطب، فما كان من والدى إلا أن رفض بشدة!
«لماذا ترفض أن يدرس الطب، ولديك كل هؤلاء الأصدقاء منهم؟»
لم يخرج السؤال منطوقًا، إلا أن الإجابة جاءت واضحة لا تنتظر:
«هؤلاء بشر لهم طبيعة خاصة. أنت لست منهم».
هكذا أجاب أبى عن سؤالى الذى نطق به أخى الأصغر.
ورغم أن شقيقى تميز، كما شقيقتى، بالتفوق الدراسى المنتظم، فإن الخاطر كان عابرًا ولم يتمسك به.
بدت الإجابة غامضة وغير مفهومة، حتى اتضحت لى عمليًا بعد أكثر من ثلاثة عقود.
كنت أجلس فى كافيتريا صغيرة ملحقة بالدور الأرضى بمستشفى العلمين، بينما يشغل صاحب الإجابة سريرًا بقسم الرعاية الحرجة فى المستشفى ذاتها.
• • •
كانت الأمور هادئة للغاية، حيث يستقبل قسم الطوارئ عددًا من أهالى المنطقة المحيطة، وتسير خطوات الكشف فى العيادات بهدوء وبطء، لم أتصورهما مقدمة للعاصفة التى جاءت فى اليوم التالى.
فى ساعات اليوم الأول من العيد، تحول المشهد الهادئ إلى صراخ عدد من المصابين فى حادث كبير على الطريق، وكانت سيارات الإسعاف تصل بهم تباعًا.
رأيت الأطباء الشباب الذين جلسوا فى تراخٍ قبل ساعات، وهم ينشطون فجأة على صوت سيارات الإسعاف تنقل مصابى حادث كبير على الطريق. لم يقف واحدٌ منهم لحظة فى مكان ثابت، كانوا يتنقلون بين مصاب وآخر، وكأنه مشهد من تلك الأعمال الدرامية التى تدور أحداثها فى المستشفيات. بقوا كذلك عدة ساعات حتى استقر الوضع بين من تلقى العلاج، أو تم إدخاله غرف العمليات لتدخلٍ جراحى حتمى لإنقاذه.
جاء أحدهم يلتقط أنفاسه على مقعد إلى جانبي، فسألته عن عمله، وبداياته، وسنوات دراسته، وكيف يرى مستقبله.
كان حوارًا مقتضبًا وطارئًا، كما كل ما بدأ فى المستشفى منذ هذا اليوم، ولم يتوقف طوال وجودى فيها ثلاثة أسابيع متواصلة، وتحول إلى تجربة لا أنساها أبدًا.
فى هذا اليوم تشكلت لدىَّ قناعة أكيدة:
لا يمكن لشخص فى عقله الواعى أن يختار هذا المجال، وأن يستمر فيه بإرادته الحرة المستقلة، إلا لو أنه فعلًا، كما قال أبى، من بشر ذوى الطبيعة الخاصة، وأن الله قد منحهم هذه الفطرة والجَلَد رحمةً بنا.
يدرس طالب الطب سنوات طوالًا أكثر من أى مجال آخر. يقضى بعدها فترات متلاحقة من التدريب والدراسة الأعلى حتى يصل إلى مستوى من الخبرة والتراكم، يفتح أمامه فرصة تكريس اسمه ومكانته أستاذًا فى تخصصه الذى اختاره.
خلال ذلك، يعانى نقص الإمكانات والأجهزة، وما يطوله من فوضى المجتمع الذى يعيش فيه، ويعانى، مع ذلك، ضيق ذات اليد، على عكس كل ما يروج عن خزائن المال التى تتفتح أمامه.
سمعت الطبيب الشاب، وهو مستمر فى نوبة عمل ٤٨ ساعة متصلة، يقول لى:
«أنا مش هقدر أستمر كده كثير. أنا بحب الطب، لكن الضغط يزيد والأحلام تقل. مش ممكن أشتغل يومين متصلين ولا أخطئ، ولو حدث، قد يكون الثمن، فى أقل تقدير، تأخر شفاء أو مضاعفات، ثم سيل من الشكاوى، وربما أتحول إلى عنوان فقرة فى برنامج حضرتك».
• • •
قابلت أساتذة من أجيال متعددة لهذا الطبيب الشاب، وكررت سؤالًا لم يغادرنى حتى بعد أن انتهت تجربة المستشفى التى حكيتها أعلاه:
«كيف نحتفظ به؟»
كانت الإجابات عاكسة لطبيعة التجارب والأجيال.
كان أول من سألت، قبل سنوات، حكيم الصدر، العالم الجليل، د. عوض تاج الدين، بخبرته العملية بدواوين الحكومة وكواليسها:
«علينا أن نحاول تحسين ظروف حياته قدر المستطاع».
جددت السؤال نفسه لسيدة القلوب، الدكتورة عالية عبد الفتاح، فجاءت إجابتها فى حسم يغلفه تعاطفٌ صادق:
«الحياة اختيارات، ثمن الغربة عند البعض أشق من ساعات العمل الطويلة، وأغلى من راتب المال الأكب».
تذكرت، عند سماع إجابتها، التى طبقتها هى قبل أن تعلنها، ما وصف به والدى أستاذها، رائد طب الرعاية الحرجة فى مصر والعالم العربى، الدكتور شريف مختار، متعه الله بالصحة والسلامة:
«هذا رجل يحمل صفات الأنبياء».
قال لى الدكتور محمد الألفى، الذى انتُخب مؤخرًا أول رئيس مصرى الأصل للكلية الملكية البريطانية:
«لو نجح ولم ينس هويته، فسفره قوة لمصر ورأسمال لها. لن تفقده حتى تسأل عن الاحتفاظ به».