قضيتنا من على البعد

بهجت قرني
بهجت قرني

آخر تحديث: الخميس 3 سبتمبر 2026 - 7:04 م بتوقيت القاهرة

قد يبدو تأثرنا بأحداث بعيدة آلاف الأميال وحتى فرعية، غريبًا وحتى لغزًا. هذا المقال يوضح هذا اللغز لكى نراه فعلًا، خاصة أهمية استخدام الأساليب المناسبة للتعامل معه.

والحالة التى استشهد بها هى الانتخابات الفرعية، سواء كانت انتخابات بلدية أو وطنية جزئية، فى نيويورك أو ولاية ميشيجان.

العامل المشترك بين هاتين الحالتين هو مواجهتهما للوبى الصهيونى «أيباك»، الذى قام بصرف ملايين الدولارات لمنع انتخاب مرشحين من أصول إسلامية أو عربية، والإصرار على انتخاب مرشحين موالين صراحة لإسرائيل، واستخدام الأموال الأمريكية لمساندة المشروع الصهيونى المتطرف الذى لا يبغى فقط مواصلة الاحتلال، بل تدعيمه والتوسع فيه على حساب الدول المجاورة، من لبنان وسوريا وحتى مصر وغيرها.

ألا نتذكر تصريح رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو عندما اقترح على السعودية نقل الفلسطينيين إلى أراضيها لإعطاء المساحة اللازمة للمستوطنين؟ بل إنه بالنسبة لمصر الوضع حقيقة أخطر، حيث إن الأمر لا يقتصر على النوايا والتصريحات الإسرائيلية، بل هناك خطط لتوطين الفلسطينيين فى جزء من سيناء، من هنا هذه الرابطة المباشرة مع هذه الانتخابات الأمريكية الفرعية.


ولنبدأ بانتخاب زهران ممدانى عمدة لنيويورك، وممدانى وصل إلى أمريكا فى سن الطفولة من بلده أوغندا، ولكنه من أصول هندية، كالملايين من الآسيويين الذين تركوا قارتهم المزدحمة إلى فضاء أفريقى قليل السكان. وبالمصادفة سمعت عن زهران الطفل آنذاك من والده، أستاذ علم الاجتماع السياسى المتميز، والذى كان يقوم بالتدريس فى جامعة كولومبيا عندما تقابلنا فى أحد المؤتمرات الأكاديمية.


بالطبع لم أكن أعرف حينئذ أن هذا الطفل سيكون له هذا المستقبل السياسى المرموق، والذى، رغم حياته وتعليمه الأمريكى، لا ينسى أصوله فى العالم الثالث، وبالتالى تقوم أجندته الانتخابية على مساعدة الفقراء فى كل مكان، بدءًا من مدينة نيويورك التى يعانى فيها الفقراء فعلًا، ومن هنا كان تركيزه على أهمية إتاحة الموارد اللازمة فى مجالى الصحة والتعليم لمحدودى الدخل، كما أنه يود أيضًا أن يحصل هؤلاء على وسائل مواصلات مجانية وإيجارات سكن منخفضة، وأنجز فعلًا تخفيضًا كبيرًا فى مراكز رعاية الأطفال، وهى ضرورة مطلوبة لتمكين الفقيرات من النساء العاملات من الذهاب إلى أعمالهن والحصول على الدخل المطلوب.


أعلن ممدانى فى حملته الانتخابية حوالى 100 تعهد لمساعدة الفقراء، قام بتنفيذ 18% منها، ولم يتم العام الأول من انتخابه. لكنه يحتاج إلى المال لتنفيذ معظم هذه التعهدات، بينما أن ميزانية نيويورك تعانى من العجز، ومن هنا تأتى أهمية المحافظة على هذه الموارد المالية بدلًا من إرسالها للخارج لمساعدة إسرائيل، التى استفادت من حوالى 300 مليار دولار من المساعدات الأمريكية منذ نشأتها فى 1948، وحسب الاتفاق المبرم فى 2019 ولمدة 10 سنوات، تتلقى إسرائيل 3.8 مليار دولار سنويًا، أى 38 مليار دولار بنهاية 2028. هذه هى النقطة المشتركة بين ممدانى، عمدة نيويورك، والمرشح المحتمل لمجلس الشيوخ عن أحد دوائر ميشيجان، عبدالرحمن محمد السيد.


على العكس من ممدانى، عبدالرحمن السيد مولود فى أمريكا، وبالتالى من حقه أن يستمر ترشيحه حتى منصب الرئيس الأمريكى. هو من أصل مصرى، وهو حاليًا طبيب، ولذلك له مصداقية كبيرة عندما يعلن انتقاده لدور النظام الطبى الأمريكى فى معالجة الفقراء على أمل أن تكون وسائل المعالجة والشفاء متاحة.

وفى خطاباته المتعددة يركز على النواحى الاجتماعية، مثل التعليم وإصلاح النظام الضريبى حتى يقوم الأغنياء بدفع نصيبهم من الضرائب، وبالتالى مساعدة ولاية ميشيجان وغيرها فى الحصول على الموارد المالية المختلفة للقيام بهذه المهام الاجتماعية، كما أن المطلب الآخر هو عدم تبديد هذه الموارد المالية بإرسالها للخارج، وخاصة إسرائيل التى لا تدافع عن حقها فى الوجود كما تدعى، ولكن تستمر فى احتلال أراضى الآخرين، بل وتمارس التفرقة العنصرية والإبادة الجماعية.


ومن هنا إعلان هذا العداء المستشرى بين اللوبى الصهيونى «أيباك» وكل من ممدانى والسيد، بل تحاول أيباك نشر الأخبار بأن كلًا من ممدانى والسيد ما هما إلا كارهين لليهود وجزءا من التوجهات العالمية ضد السامية. وبما أن بعض اليهود الأمريكيين هم من مؤيدى ممدانى والسيد، فقد ركزت أيباك على اتهامهم بالاشتراكية والشيوعية.


وقد أعلن ذلك أخيرًا أيضًا الرئيس ترامب فى هجومه على عبدالرحمن السيد، أى أنهم ضد أمريكا، بل خونة. فكما نتذكر، منذ الحرب الباردة كانت الشيوعية وحتى الاشتراكية لهما توجهات عدائية ضد النظام الأمريكى ككل، بل وما هما إلا عقيدة تخريبية يجب حماية أمريكا من وجودها أصلًا. وأتذكر قصة أخبرنى بها زميل من جامعة ستانفورد فى كاليفورنيا، وهو أنه عند إنشاء مركز للبحوث والدراسات فى بداية الخمسينيات، كان الاسم المقترح والمنطقى هو مركز البحوث والدراسات الاجتماعية، وبما أن فى اللغة الإنجليزية يقترب الاسم «اجتماعى» أو «social» من لفظ «socialist» أو اشتراكى.


فقد اقترح البعض تجنب لفظ «اجتماعى» هذا أو «social» لتجنب الخلط، وتم تسمية المركز بأنه للعلوم والبحوث السلوكية أو Behavioral. إلى هذا الحد كان يتم دمج أى توجه اجتماعى أو انتقاد الفروق الاجتماعية بأنه جزء لا يتجزأ من الهجوم الشيوعى ضد النظام الرأسمالى الأمريكى الذى يجب حمايته. وهكذا تقوم أيباك بدفع ملايين الدولارات للعودة إلى الوراء حتى تتمكن من إلصاق تهمة الخيانة وعدم الأمريكية بهؤلاء السياسيين مثل ممدانى وعبدالرحمن السيد، بعد أن رأت أن دعوتهما لعدم إرسال أموال دافعى الضرائب لمساعدة إسرائيل العدوانية والتوسعية تلقى رواجًا بين العدد المتزايد من الأمريكيين، حتى بين شباب اليهود منهم.


فى هذه المعركة التى تخصنا رغم بُعد المسافة، ألا يجب أن نترك هؤلاء السياسيين الشباب بمفردهم أمام ضلال اللوبى الصهيونى وأمواله، بل ندعم قضيتهم لأنها قضيتنا؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved