خريطة للطرق الأكثر خطورة فى مصر

محمد بصل
محمد بصل

آخر تحديث: الخميس 3 سبتمبر 2026 - 9:55 م بتوقيت القاهرة

يبدو أن تكرار حوادث الطرق المريعة فى الآونة الأخيرة قد حوّلها إلى ما يشبه الروتين الاعتيادى بمعزل عن وقع الكوارث ودوى الصدمات. ولكل «روتين» كهنته وعُبّاده الذين يتبارون فى تجميل القُبح وإخفاء السلبيات والتهوين من المخاطر، مما يستوجب بالتبعية نشر أطنان من عبارات التبرير والتسطيح بهدف إضاعة بوصلة أى نقاش بنّاء.


وهناك خط واضح للتبرير والتغاضى يربط بين الحوادث المرورية التى وقعت فى ظرف أسبوعين فقط، من الدواويس بالإسماعيلية إلى نويبع فى جنوب سيناء، ويتمثل فى توجيه أصابع الاتهام حصرًا إلى سائقى المركبات (نقل وأتوبيسات) وهذا يعنى أيضًا إبقاء تلك السلسلة من الحوادث فى مربع «القضاء والقدَر» دون مراجعة جادة لمعدل تكرار الحوادث عمومًا، ومعدل التكرار على طرق بعينها، والأرقام الكارثية التى تحملها التقارير الرسمية من الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، وتحليل أسباب تلك الحوادث، ومعدلات القسوة المسجلة فيها أى عدد الضحايا.

هذه البيانات بتحليلاتها ومؤشراتها كان يجب أن تكون على طاولة ما يسمى بـ«المجلس القومى للسلامة على الطرق» الذى طالبت النائبة بمجلس الشيوخ أميرة صابر بتفعيله بعد سنوات طويلة بلا انعقاد.

والمثير أن هذا المجلس قد عقد فى ديسمبر 2014 (أى قبل 12 عامًا) اجتماعات مطولة وموسعة مع أطراف ملف المرور فى مصر وأصدر عددًا من التوصيات كما جاء على لسان اللواء مدحت قريطم مساعد وزير الداخلية لقطاع الشرطة المتخصصة آنذاك، على رأسها حصر ومراجعة المناطق التى تتكرر فيها الحوادث وحصر أماكن التقاطعات والدوران على الطرق السريعة والصحراوية، وتأمين جوانب الطرق بحواجز حماية جانبية، وتحسين الرؤية عن طريق تخطيط المنحنيات وزيادة اللافتات وإرشادات المرور.

لو كان قد تم تطبيق تلك التوصيات على 50% فقط من الطرق السريعة فى مصر، لكنا نتباهى الآن بانخفاض كبير فى معدلات الحوادث، لكن ما نشهده فى التقارير الرسمية أن عدد الوفيات خلال السنوات الخمس الأخيرة قد تجاوز 32 ألف شخص، فضلًا عن تزايد أعداد المتوفين والمصابين فى عام 2025 قياسًا بعام 2024 بنسبة 10.8% و10.7% على التوالى.


والإشكالية هنا تتجاوز مسألة انعقاد «المجلس القومى للسلامة على الطرق» أو تشكيل أو إحياء أو تفعيل أى مجلس آخر. فالخطر واضح وتفاصيل الملف أكثر وضوحًا ولا تحتاج إلى إعادة تعريف أو ابتكار نموذج متفرد للتعامل مع حوادث المرور.


فالعالم من حولنا ملىء بالنماذج الناجحة للتعامل مع الطرق، وتحديدًا الأكثر خطورة منها، أو «النقاط السوداء – Black Spots – High Risk Locations» التى أوصى المجلس القومى للسلامة على الطرق منذ 12 عامًا بحصرها ومراجعتها، وهى أيضًا التى تبدأ منها أى خطة وطنية ناجحة لمواجهة حوادث الطرق، حيث تُحدّد تلك النقاط - فى أمريكا وبريطانيا على سبيل المثال - من خلال أربعة عناصر رئيسية هى: عدد الحوادث، ومعدلها مقارنة بحجم المرور، وشدة الحوادث وقسوتها بمعدل الوفيات والإصابات الخطيرة، والتحليل الإحصائى للحوادث المتوقعة مقارنة بالوقائع الفعلية.


ويتضمن التقرير المرورى السنوى من جهاز التعبئة والإحصاء قائمة تُحدّث سنويًا للنقاط الأكثر خطورة على الطرق، تضمنت فى عام 2025 أكثر من 150 نقطة على 58 طريقًا سريعًا، وكان بينها بعض النقاط فى الطرق الواصلة بين الطور وسانت كاترين ونويبع وبين شرم الشيخ ونويبع وطابا وفى طريق شرم الشيخ الدولى الجديد، كما كان منها أيضًا محور 30 يونيو كاملًا والطريق الدائرى الإقليمى بالمنوفية كاملًا.


وهنا تفرض مجموعة من الأسئلة نفسها ولا أعرف لها إجابة: ماذا فعلنا بعد رصد تلك النقاط الأكثر خطورة؟ هل بدأت الأجهزة المعنية فى التعامل معها؟ وهل سلّطت الجهات المختصة عليها الضوء لتوعية المواطنين بخطورتها وضرورة الحذر منها؟


أما السؤال الأهم هو: ما أفضل الممارسات الدولية مع تلك النقاط الأكثر خطورة؟


ساعدنى صديق متخصص فى إيجاد إجابة نموذجية من أستراليا، التى لديها بالفعل برنامج متكامل للتعامل مع تلك النقاط الأكثر خطورة اسمه «Black Spot Program» له إدارة فنية متخصصة لها فروع فى كل ولاية، تسمح لأى شخص بالإبلاغ عن النقاط وتقديم اقتراحات بشأنها، إلى جانب الرصد الدورى لأسباب الحوادث سواء كانت طبيعية أو إنشائية أو تتعلق بضعف الإنارة أو مشاكل فى التصميم أو نقص لافتات التحذير والإرشادات أو وجود عوائق على جانبى الطريق، ثم تختار اللجان المعنية على مستوى الولايات المناطق ذات الأولوية للإصلاح والتطوير سنويًا لتكون لها أولوية التمويل، وتعلن بشكل واضح وشفاف قبل كل سنة مالية.


إن تشخيص أسباب حوادث الطرق والبدء الفورى فى علاجها بخطة واضحة، لا يقل أهمية عن أى مشروع قومى تنفذه الدولة حاليًا، بل هو أهم مشروع قومى للحفاظ على أعز ما تملك مصر من مقوّمات.. أرواح مواطنيها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved