منتدى مصر ٢٠٢٦ ورفع الثقة فى مؤسسات الدولة

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربه

آخر تحديث: السبت 3 أكتوبر 2026 - 7:30 م بتوقيت القاهرة

يوم الخميس الماضى، الأول من أكتوبر، أعلنت الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية على منصات التواصل الاجتماعى إطلاق الجلسات التحضيرية والموقع الإلكترونى الخاص بـ«منتدى مصر ٢٠٢٦»، وفتح باب التسجيل أمام المواطنين والخبراء والمتخصصين ومؤسسات الدولة، تمهيدًا لانعقاد المنتدى خلال الفترة من ١٩ إلى ٢٤ أكتوبر الجارى. وجاءت الدعوة، وفق الإعلان الرسمى، غير مقصورة على ممثلى الحكومة أو المسئولين، وإنما تشمل أبناء الشعب المصرى بمختلف الأطياف والتوجهات، مع إتاحة تسجيل الآراء والمقترحات قبل بدء الجلسات.
• • •
هذه نقطة تستحق التوقف عندها، لأن البرنامج المعلن للمنتدى لا يدور حول موضوع واحد، ولا يقتصر على عرض إنجازات حكومية، بل يبدأ من مجموعة أسئلة تتعلق بحياة الناس، أسئلة من قبل: كيف انعكست السياسات والمشروعات والبرامج التى نُفذت خلال السنوات الماضية على مستوى المعيشة وجودة الخدمات؟ إلى أى مدى حققت هذه السياسات أهدافها؟ وما الذى يحتاج إلى استكمال أو مراجعة أو تطوير؟ هذه الأسئلة، إذا طُرحت بجدية من أجل التقييم الجاد، لا من أجل التباهى بالإنجازات، فهى تفتح مساحة أوسع من مجرد الاستماع إلى كلمات رسمية، وتتحول بحق إلى حوار بين الدولة والمجتمع، وهو أمر محمود لا شك. يدور المؤتمر حول عدة محاور:
المحور الأول هو «بناء الإنسان»، وتحت هذا العنوان تأتى قضية التعليم من خلال سؤال مباشر: ماذا يتعلم أبناؤنا، وهل يؤهلهم ذلك للمستقبل؟ ويتفرع النقاش إلى المناهج التعليمية، وأساليب التقييم، ودور المعلم، والبحث العلمى، وعلاقة التعليم باحتياجات سوق العمل. ويضم المحور أيضًا الشباب والرياضة، ليس فقط من زاوية إتاحة النشاط، بل من زاوية صناعة التأثير، إلى جانب الثقافة ومنظومة القيم الاجتماعية. وهذه كلها قضايا لا يمكن التعامل معها بالأرقام وحدها، لأنها تمس شكل المجتمع نفسه وما يتوقعه الجيل الجديد من الدولة ومن مستقبله.
المحور الثانى يتعلق بـ«التنمية المتكاملة وجودة حياة المواطن»، وهنا تدخل ملفات التنمية الحضرية والعمرانية، والصحة، والتحول الرقمى. السؤال المهم فى هذا المحور يتخطى الحديث التقليدى عن الإنجازات، والتى لطالما ارتبطت فى السياق المصرى بالعدد، مثل عدد المستشفيات التى تم بناؤها، وإنما: كيف يشعر المواطن بهذه التغييرات فى حياته اليومية، والوقت الذى يستغرقه للحصول على الخدمة الصحية، وتكلفة العلاج، وجودة المواصلات، ومدى سهولة التعامل مع الجهات الحكومية، والفوارق بين المحافظات والمناطق المختلفة.
أما المحور الثالث فمتعلق بـ«الحماية والأمان المجتمعى»، ويشمل أمن الوطن والمواطن، والحماية الاجتماعية، والأمن الغذائى والمائى. وهو محور شديد الاتساع، لأنه يجمع بين الأمن بمعناه التقليدى وبين قدرة المجتمع على حماية الفئات الأكثر احتياجًا، وضمان الغذاء والمياه فى بيئة إقليمية واقتصادية شديدة الصعوبة. وفى هذا النوع من النقاش تأتى مجموعة إضافية من الأسئلة المتعلقة بالنوع لا العدد والمستوى والخيارات، من قبيل: كيف تُوزع الموارد؟ من يستحق الدعم؟ كيف تصل الحماية إلى مستحقيها؟ وما الحدود بين حماية الدولة وحماية المجال العام وحقوق المواطن؟ وهذا السؤال الأخير تحديدًا لا بد أن يحظى بمساحة كبيرة من النقاش الجاد، لأنه يتعلق بالحريات فى المجال العام، والتى لا يمكن لدولة تسعى للتنمية بمعناها الشامل أن تتجاهلها!
• • •
ثم يأتى المحور الاقتصادى ليتناول عدة موضوعات، منها الطاقة، والاستثمار، والصناعات التنافسية، وفرص العمل، وموارد النقد وإدارة الدين، إلى جانب ملامح البرنامج الاقتصادى المصرى حتى عام ٢٠٣٠. وهناك أيضًا جلسات متخصصة حول الديون، ودمج الاقتصاد غير الرسمى فى الاقتصاد الرسمى، وقضايا الطاقة. وهذا مهم، لأن النقاش الاقتصادى فى مصر لم يعد ممكنًا اختزاله فى مؤشرات النمو وحدها، والتى تعبر عن الأداء الكلى للاقتصاد، لكن المواطن، بطبيعة الحال، يريد أن يعرف أثر السياسات على دخله وأسعار السلع وفرص العمل والقدرة على الادخار ومستوى الخدمات، بينما تحتاج الدولة فى الوقت نفسه إلى استثمار وتمويل واستقرار مالى وقدرة على الوفاء بالتزاماتها.
من الملفت للنظر أن المنتدى يخصص يومًا لمناقشة ما يشغل الرأى العام وورش العمل، وهى ربما المساحة الأكثر أهمية. فالموضوعات التى تشغل الناس لا تأتى دائمًا مرتبة بالطريقة نفسها التى ترتب بها المؤسسات برنامج أولوياتها. وقد تكون قيمة هذا اليوم فى قدرته على إدخال قضايا لم تحصل على عنوان مستقل فى المحاور الأربعة، مثل موضوعات الإصلاح السياسى والحريات والحقوق، أو إعادة طرح قضايا موجودة أصلًا، ولكن من زاوية مختلفة يفرضها المجتمع لا السلطة.
هذه الدعوة تأتى أيضًا فى سياق حديث متكرر للرئيس عبد الفتاح السيسى خلال الأسابيع الأخيرة عن إصلاح مؤسسات الدولة. ففى ١٧ سبتمبر الماضى، قال الرئيس إن إجراء «إصلاح حقيقى» يحتاج إلى «مسار جاد»، وإن عامل الوقت حاسم، لأن إصلاح مؤسسات دولة كبيرة مثل مصر هو عملية ممتدة وطويلة. وبعد ذلك، فى اجتماع ٢٩ سبتمبر بمقر القيادة الاستراتيجية، الذى ضم الحكومة والمحافظين وكبار المسئولين وعددًا من الخبراء وعمد القرى، تحدث الرئيس عن أهمية تبادل الآراء ووجهات النظر، وحسن استخدام موارد الدولة، وترسيخ الثقة فى مؤسساتها.
هنا يمكن بناء علاقة بين الفكرتين! فإذا كان الإصلاح مسارًا جادًا وليس قرارًا منفردًا، وإذا كانت الثقة فى المؤسسات هدفًا معلنًا، فالحوار يصبح جزءًا من عملية الإصلاح نفسها. فالثقة فى مؤسسات الدولة لا تُبنى فقط بأن تشرح المؤسسة ما فعلته وتحاول أن تقنع المواطن بالإكراه أو بالإلحاح أن هذا إنجاز، وإنما أيضًا بأن تستطيع سماع الاعتراض، وأن تميز بين النقد والمعلومة الخاطئة، وأن تجيب عن الأسئلة الصعبة دون مواربات أو قيود، وأن توضح أين نجحت وأين أخفقت، وما الذى تستطيع تغييره وما الذى لا تستطيع تغييره فى المدى القريب.
• • •
وفى الأيام نفسها، شهد المجال العام واقعة القبض على ستة من الصحفيين العاملين فى منصة رقمية تعمل فى التحقق من المعلومات. وزارة الداخلية قالت إن المنصة تعمل من دون ترخيص، واتهمت العاملين فيها بنشر معلومات مغلوطة وبالارتباط بتنظيم محظور وتلقى تمويل من الخارج، بينما نفت المنصة هذه الاتهامات. القضية أصبحت أمام جهات التحقيق، ولذلك لا يصح استباق ما ستنتهى إليه. لكن الواقعة تطرح سؤالًا يتصل مباشرة بفكرة الثقة والحوار! فعندما تقول مؤسسة فى الدولة إن معلومات منشورة كاذبة أو محرّفة، فهل يمكن أيضًا عرض هذه المعلومات بوضوح وشرح مواضع الخطأ فيها، إلى جانب المسار القانونى، حتى يستطيع الجمهور نفسه أن يرى الأدلة ويفهم طبيعة الخلاف؟ فى الواقع، هذا هو عين الإصلاح ورفع الثقة فى مؤسسات الدولة كما طالب الرئيس.
ليس المقصود من هذا السؤال الأخير تبرئة طرف أو إدانة طرف آخر. المقصود أن المجال العام الصحى يحتاج إلى معلومات قابلة للفحص والتدقيق، ومؤسسات تشرح قراراتها للناس وتقدم أدلة لدحض ما تراه كذبًا! فلا مجال لرفع ثقة الناس فى مؤسسات الدولة دون أن يشعر المواطن بأنه يستطيع أن يطرح الأسئلة دون خوف من عواقب السؤال، وهذه ليست قضية منفصلة عن التنمية أو الاقتصاد كما قد يبدو الأمر للوهلة الأولى!
لهذا فإن «منتدى مصر ٢٠٢٦» يمكن قراءته باعتباره اختبارًا عمليًا لفكرة المشاركة التى أعلنتها الدولة بنفسها. الموقع متاح لتسجيل الآراء والمقترحات قبل انعقاد الجلسات، والبرنامج يغطى قضايا تمس تقريبًا كل أسرة مصرية. قيمة المنتدى لن تتحدد بعدد الحضور، ولا بعدد الجلسات فقط، ولا حتى بحجم التغطية الإعلامية، وإنما بمدى تنوع الأصوات التى تشارك فيه، وبقدرة النقاش على الانتقال من العموميات إلى مشكلات محددة وتفاصيل بعينها، ثم بوجود ما يوضح بعد انتهائه أى المقترحات نوقشت، وما الذى قُبل منها، وما الذى رُفض، ولماذا؟ من خلال هذه المساحة، أدعو الجميع إلى التسجيل والمشاركة، وفى الوقت نفسه أدعو المسئولين إلى سعة الأفق وعدم التأفف السريع من الطرح المختلف أو الناقد أو حتى الغاضب!
أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved