مجنون الحكم

داليا شمس
داليا شمس

آخر تحديث: السبت 3 أكتوبر 2026 - 7:15 م بتوقيت القاهرة

فى نهاية شارع الدحديرة بمنطقة قلعة الكبش بالقرب من جامع بن طولون وباتجاه القرافة يوجد جامع قديم تهدمت معظم أجزائه ولم يتبق من آثاره القديمة إلا المحراب المبنى من الحجر ويضم بداخله ضريح سيدى الترابى. يُعرف هذا المسجد باسم «السبع سلاطين» وقد تعرض للتدمير والهدم خلال فترة الحملة الفرنسية لتأمين التحصينات، لكن تظل التسمية تجذب من يجرى وراء الحكايات، فشواهد قبور القرافة التى يتم طمس معالمها تدريجيا تروى ما حدث فى بر مصر وتذكرنا به كلما مررنا بجانبها. من دُفِنوا فى الجامع ليسوا سلاطين بالمعنى الحرفى لكنهم من كبار رجال الدولة والقادة البارزين من عائلة بنى المغربى (أربعة أفراد)، وبيت الحكم الفاطمى (الثلاثة الآخرين)، وقد أطلق عليهم السكان مجازا «سلاطين» كنوع من التبجيل أو ربما لفخامة القباب السبع التى لم يتبق منها اليوم سوى قواعد أربع. هؤلاء جميعا كانوا من ضحايا الحاكم بأمر الله الذى اشتهر بالتناقض والتقلب والتخلص من أعوانه ووزرائه لأدنى شك، حتى إن بعض التقديرات التاريخية تشير إلى أن عدد من قتلوا بأوامر مباشرة طوال فترة حكمه ناهز 18 ألف شخص. قد يكون هذا الرقم غير دقيق، فقد بالغ خصومه من العباسيين والسُنة فى تشويه صورة الخليفة الفاطمى كطاغية مجنون، بينما يراه آخرون حاكما معقدا جمع بين الإصلاح والتطرف. وقد استلهم سيرته الكاتب المغربى ووزير الثقافة السابق بنسالم حميش وأعاد بناء فترة حكمه المعقدة وتشريح الاستبداد فى رواية «مجنون الحكم» التى صدرت عن دار الشروق فى مطلع التسعينيات، واعتبرها النقاد ضمن أهم مائة رواية عربية فى القرن العشرين.
• • •
تمتع الحاكم بأمرالله بذكاء حاد ودهاء سياسى، ما سمح له بالبقاء فى الحكم لمدة 25 سنة من 996م إلى 1021م، لكنه كان غير سويا، فالتاريخ يعلمنا أن الذكاء والسواء النفسى مساران منفصلان تماما، الشخص المصاب بالبارانويا أو جنون الارتياب، على سبيل المثال، غالبا ما يكون شديد الذكاء والملاحظة، وهو ما ينطبق على الخليفة الفاطمى الذى استطاع الحفاظ على عرشه طويلا وسط جو مشحون بالمؤمرات والدسائس، مستغلا طبيعة نظام الحكم المطلق فى العصور الوسطى. اعتمد على سياسة حرق الرءوس الكبيرة والتصفية المستمرة وعدم السماح لأى مسئول بامتلاك نفوذ دائم، يُقرب الوزير أو القائد ويمنحه صلاحيات واسعة ثم يقتله فجأة عند أدنى هفوة أو لتغير مزاجه. وبالتالى كان رجال الدولة يعيشون على كف عفريت، وانشغلوا بمحاولة البقاء على قيد الحياة. كما برع فى ضرب مراكز القوى واستغل التنافس بين مكونات الدولة الفاطمية القائمة عسكريا على توازنات عرقية حساسة (البربر من قبيلة كتامة، الأتراك، السودانيون والمشارقة). ومن ناحية أخرى، كان حاكما دقيقا فى الشئون المالية والرقابية للدولة، وله مركزية القرار الإدارى الصارم، يحاول رفع المظالم بنفسه ومعاقبة الفاسدين ومراقبة الأسواق. لذا استطاع استمالة الفقراء وصنع لنفسه قاعدة شعبية لدى العوام، لكن حين وصله تهكم الناس عليه فى أواخر عهده وإطلاقهم النكات على قراراته المتضاربة والغريبة حرق الفسطاط بمن عليها دون تعاطف، وتجاوز بطشه كل الخطوط الحمراء داخل القصر الفاطمى، ما عجل غالبا بنهايته الغامضة واختفائه بجبل المقطم حيث كان يتجه ليلا للتأمل والتعبد.
• • •
قرارات البطش والتنكيل والقتل المفرط، النابعة من خوفه المرضى ورغبته فى السيطرة المطلقة، كان يتبعها نوبات ندم شديد واكتئاب. وكانت طريقته فى تخفيف عذاب الضمير ومحاولة تصحيح ما فعله هى بناء الأضرحة والقباب الفخمة لضحاياه أو إغداق الأموال على ذويهم كنوع من التعويض. وهو ما ينطبق على المدفونين فى جامع «السبع سلاطين» وغيرهم من الضحايا التى لا تزال آثارهم باقية فى القاهرة الفاطمية. ضم جامع «السبع سلاطين» جثامين أربعة من رجال الدولة من عائلة المغربى اتهمهم بالخيانة وقتلهم جماعيا بسبب فرار قريبهم الوزير أبو القاسم الحسين بن على المغربى إلى مكة، بالإضافة إلى اثنين من كبار قادة الجيش وإلى ابن عمه وربيبه وولى عهده عبد الرحيم بن إلياس. أما الشيخ الترابى المدفون فى الجامع نفسه، فاسمه الحقيقى على بن إسكندر الفيسى، وتذكر بعض المرويات أن الحاكم بأمر الله غضب عليه بسبب التفاف العوام حوله ومخالفته لبعض أوامره، وكان فى الأساس رجل دولة ووالى شرطة ومحتسب ظالم ثم تحول إلى الصوفية والزهد فى أواخر أيامه.
هناك أيضا ضريح ومسجد ابن عمار، أول رئيس للوزراء فى عهده وزعيم قبيلة كتامة البربرية، أحد أهم ركائز الدولة الفاطمية. قتله ثم أمر بإقامة جنازة رسمية مهيبة له وببناء ضريح فخم ليدفن فيه وجعل قبره مزارا فى قرافة القاهرة، وهو ما حدث أيضا مع استاذه أبو الفتوح برجوان الذى كان وصيا على خطواته الأولى حين تولى الحكم وهو فى الحادية عشر من عمره ومدبرا لشئون الدولة. حين بلغ الخامسة عشرة، شعر بتعاظم نفوذه واستصغاره له فأمر باغتياله داخل القصر، ثم بكى كثيرا وقرر توسيع المنطقة المحيطة بأملاكه تقديرا له، وتحول هذا المكان إلى حى تسكنه النخبة ضم العديد من القصور الفارهة، فيما يعرف حاليا بحارة برجوان المتفرعة من شارع المعز بالجمالية.
• • •
حدود القاهرة التاريخية لا يمكن تقليصها، فمجرد سردنا لبعض تفاصيل عصر الحاكم بأمر الله أخذنا فى جولة بين أماكن ما زالت قائمة وتشهد على ما صار، ننتقل بسهولة من قاهرة المعز إلى مدينة الفسطاط والجبانة الشرقية والجنوبية والأباجية وأجزاء من الإمام الشافعى، فهى نسيج متماسك وضرورة لتتبع حكايات السابقين، حتى وإن كان بعضهم من الطغاة والمجانين. تجمعت فى شخصية الحاكم بأمر الله عدة اضطرابات نفسية من عقدة اضطهاد وارتياب إلى هوس الشخصية الحدية إلى اضطراب ثنائى القطب، وهى تفسر دورة «القتل والندم» التى وصفناها وقراراته المباغتة ونزوعه إلى تدمير الذات فى نهاياته، فحين تتراكم هذه الاضطرابات المتداخلة فى شخص يملك سلطة مطلقة تكون النتيجة كارثية. كانت كذلك فى الماضى فى غياب العلاجات المناسبة من عقاقير وبرامج سلوكية، وهى كذلك فى الحاضر رغم التطور العلمى، وإلا ما كنا شاهدنا ما نشاهده حاليا من دمار وحروب وتنكيل بالبشر وقرارات فجائية فى شتى أنحاء الأرض.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved