محمد صلاح في جوبا.. المباراة التي كان يمكن لمصر أن تكسبها مرتين
عبدالرحيم شلبي
آخر تحديث:
السبت 3 أكتوبر 2026 - 7:30 م
بتوقيت القاهرة
عندما وصل المنتخب المصري إلى جوبا لمواجهة جنوب السودان في تصفيات كأس الأمم الأفريقية ٢٠٢٧، كان آلاف المشجعين ينتظرون مناسبة تتجاوز المباراة نفسها: رؤية محمد صلاح، أشهر لاعب مصري وأحد أبرز نجوم أفريقيا، على أرضهم. لكن صلاح لم يذهب إلى جوبا. وظهرت في المدرجات لافتات تعبر عن خيبة الأمل، بعضها قارن بين غيابه وحضور السنغالي ساديو ماني إلى الملعب نفسه. وبالنسبة إلى بعض الجماهير، لم تكن المسألة قرارًا فنيًا مصريًا بقدر ما كانت ببساطة أن النجم الذي جاءوا لرؤيته لم يأتِ.
التفسير الرسمي كان مفهومًا. أرضية استاد جوبا من العشب الصناعي، والجهاز الفني رأى أن مشاركة صلاح عليها قد تعرضه لمخاطرة غير ضرورية. والحفاظ على سلامة لاعب في أهمية صلاح لا يحتاج إلى دفاع طويل. لكن هنا وقع سوء التقدير.
لم يكن الاختيار بالضرورة بين أن يلعب صلاح تسعين دقيقة أو أن يبقى في القاهرة. كان هناك اختيار ثالث: أن يذهب ولا يلعب. كان يمكن أن يسافر مع المنتخب، ويجلس على مقاعد البدلاء، أو يظهر لبضع دقائق إذا سمحت الظروف. وكان يمكن، من دون أن تطأ قدماه أرض الملعب أصلًا، تنظيم لقاء قصير مع أطفال أو ناشئين، أو زيارة مدرسة أو أكاديمية لكرة القدم، أو حتى لقاء بسيط مع مجموعة من المشجعين.
وكان يمكن لاتحاد الكرة أو وزارة الشباب والرياضة أن يصاحبا الزيارة بمبادرة رمزية: معدات لأكاديمية ناشئين، قمصان وكرات، أو برنامج تعاون رياضي محدود مع جنوب السودان. كل هذا كان يمكن أن يحدث من دون المخاطرة بسلامة صلاح.
وهذا هو الفارق بين إدارة مباراة وإدارة مناسبة.
كانت الأجواء المحيطة بالمنتخب في ذلك الوقت مشحونة أصلًا بالجدل بعد مباراة أنجولا واستبدال صلاح، وما تبع ذلك من حديث عن العلاقة بينه وبين الجهاز الفني ومحاولات احتواء الموقف. لكن أيًّا كانت حقيقة هذه الخلافات وحدودها، كان ينبغي ألا تحجب الصورة الأكبر: المنتخب المصري لم يكن متجهًا إلى أي مكان، بل إلى جنوب السودان، الدولة التي تربطها بمصر علاقات سياسية وتاريخية وإنسانية خاصة.
كرة القدم هنا ليست مجرد رياضة. الدول أدركت منذ وقت طويل أن الرياضي الشهير يمكن أن يؤدي دورًا لا تستطيع البيانات الرسمية أن تؤديه.
ديدييه دروجبا استخدم مكانته في كوت ديفوار لدعم المصالحة في بلد خرج من صراع داخلي. وفي عام ٢٠١١، ذهبت الأرجنتين إلى كولكاتا ثم داكا بمشاركة ليونيل ميسي، رغم أن ظروف الملاعب والبنية الرياضية في جنوب آسيا في ذلك الوقت كانت بعيدة عن المثالية. القيمة لم تكن رياضية فقط؛ وجود ميسي نفسه كان الحدث. وقبل ذلك بعقود، أظهرت «دبلوماسية تنس الطاولة» بين الولايات المتحدة والصين أن الرياضة تستطيع أحيانًا أن تفتح أبوابًا صغيرة تسبق الأبواب الكبيرة التي تفتحها السياسة.
لا تعني هذه الأمثلة أن محمد صلاح مطالب بأن يصبح دبلوماسيًا، ولا أن المنتخب الوطني يتحول إلى بعثة سياسية. لكنها تعني أن الدول التي تمتلك شخصية رياضية ذات جاذبية دولية نادرة تخسر شيئًا عندما تتعامل معها باعتبارها مجرد اسم في قائمة المباراة.
ومصر تمتلك في محمد صلاح شيئًا لا تستطيع أي وزارة أن تصنعه بقرار.
محمد صلاح أحد أهم وجوه مصر المعروفة عالميًا، وفي أفريقيا بصفة خاصة. جماهير كثيرة تعرف مصر من خلال كرة القدم قبل أن تعرف الكثير عن سياساتها أو مؤسساتها. وهذه حقيقة بسيطة يمكن استخدامها بحكمة من دون مبالغة أو استغلال للاعب.
وتزداد أهمية ذلك في أفريقيا، وفي دول حوض النيل على وجه الخصوص. فالعلاقات بين الدول لا تقوم فقط على المفاوضات والاتفاقات والمصالح. هناك أيضًا الصورة الشعبية، والانطباعات، والذكريات الصغيرة التي تتراكم بمرور الوقت.
طفل في جوبا يحصل على قميص من محمد صلاح، أو مجموعة ناشئين تلتقط معه صورة، قد يبدو أمرًا بلا أهمية أمام الملفات السياسية الكبرى. لكنه في مفهوم القوة الناعمة ليس بلا أهمية على الإطلاق.
المفارقة أن مصر لم تكن تحتاج إلى صلاح لكي تفوز بالمباراة. النتيجة أثبتت ذلك. وهذا يجعل ما حدث أكثر وضوحًا: لم تكن القضية كيف تفوز مصر في جوبا، وإنما ماذا كان يمكن أن تكسبه مصر إلى جانب الفوز.
كان من الممكن حماية صلاح، واحترام القرار الفني، وفي الوقت نفسه الاستفادة من حضوره في مناسبة كان واضحًا أن الجمهور المحلي ينتظرها.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يبقى من جوبا. ليس كل لاعب سفيرًا، وليس كل مباراة مناسبة دبلوماسية. لكن عندما تمتلك مصر لاعبًا بحجم محمد صلاح، وتسافر إلى دولة أفريقية ترتبط بها بعلاقات خاصة، فإن التفكير لا ينبغي أن يتوقف عند خط التماس.
مصر فازت بالمباراة. وكان يمكن، بقليل من الخيال، أن تعود من جوبا بفوز آخر أيضًا.