الورقة التى يلعب بها الجميع

سامح فوزي
سامح فوزي

آخر تحديث: الثلاثاء 3 نوفمبر 2026 - 6:40 م بتوقيت القاهرة

لا أظن أن المبشرين بالعولمة منذ بضعة عقود تصوروا أن تصل البشرية إلى هذا الحد مع إزالة الحدود، وتبادل العلاقات، وممارسة ما يمكن اعتباره رذائل كونية، بل والتباهى بها.

 لفت انتباهى عبارة ذكرها فيليب لازارينى المفوض العام السابق لوكالة الأونروا فى غزة أن الجنود الإسرائيليين كانوا يلتقطون صورًا «سيلفى» بجوار المدارس التى تحولت إلى حطام فى غزة، وحذر من أن الإنسانية مقدمة على حالة من الوحشية البدائية أو ما سماها «بربرية». المتأمل لتلك العبارة يدرك كيف يجرى تصوير الخراب والدمار بتقنية جديدة أفرزتها العولمة، التى جعلت من انتشار الصور عبر وسائل التواصل الاجتماعى ملمحًا أساسيًا فى الحياة. لم تعد العولمة انفتاحًا كما جرى تصويرها ولكنها تطبيع للدمار من خلال الصور، التى تلتقط بأعلى التقنيات.

تلك العولمة، التى استغلتها التنظيمات الإرهابية، وولجت فيها بقوة، من خلال استخدام التقنيات الحديثة، والتجنيد عن بعد، وتوظيف الفضاء الرقمى أفضل ما يكون، وبينما ظن الناس أن العولمة سوف تسهم فى انتقال الناس والبضائع، اكتشفنا أنها تنقل الإرهاب من مكان لآخر، من الشرق الأوسط إلى أسيا إلى إفريقيا، وله شبكات فى أوروبا وأمريكا، وغيرها. ليس هذا فحسب، بل أن تلك العولمة فى تطورها الراهن تسهم فى «العفن الذهنى»، كما أشار أحد التقارير الدولية، من خلال تكثيف نشر الأخبار، والصور، والتعليقات على الفضاء الرقمى، التى تجمع بين الحقيقة والزيف، الصدق والكذب، وتمعن فى التزييف العميق الذى ينطلى على العقول بحيث لا يدرك المرء الواقع من الوهم. وبينما كان الأوروبيون يتطلعون دائما إلى العولمة التى ينشرون من خلالها ثقافتهم، وأفكارهم، وبضائعهم، وطرائق حياتهم، فإذا بهم يواجهون عولمة من جديد من خلال هبات لم يألفوها من قبل من شرائح واسعة من اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين التقوا مع جماهير ساخطة، وضعوا أمامهم سؤالًا صعبًا: كيف تحافظون على ثقافتكم فى بلادكم، وليس التطلع إلى نشرها خارج حدود القارة المضطربة؟ إذا نظرت إلى كل خطابات قيادات اليمين فى أوروبا، تجدهم يتحدثون عن حماية الهوية، والثقافة، والحضارة الأوروبية فى مواجهة قطاعات من السكان باتت تعيش فى مجتمعاتهم، وتعادى نمط الحياة الأوروبية. أليس الأوروبيون هم من تصوروا أن إزالة الحدود أمام الأفكار والسلع ستكون فى صفهم، أو فى صالح البشرية الساعية إلى التقدم، فإذ بهم يفاجئون بتحدى لاجئين ومهاجرين غير شرعيين لحدودهم، والتدفق إلى مدنهم من خلالها.

هذه العولمة التى جعلت المشاهد فى كل أنحاء العالم يتابع ما يحدث فى فرنسا، وألمانيا، وسويسرا، وإيطاليا، وبلجيكا، وإسبانيا، والبرتغال، وغيرها، وينشغل بها، تمامًا مثلما يجد نفسه، بفعل الميديا والتواصل الإلكترونى الكثيف، منشغلًا بالمعارك الانتخابية لبعض المرشحين فى الكونجرس، ولعل إرهاصات تلك المعركة أيا كانت نتائجها، سوف تلقى بظلالها على مجتمعات أخرى تستدعى الانقسام الدينى طرفًا فى السياسة. وإذا نظرنا إلى الفضاء الرقمى المعبأ بالخطابات الدينية التى تحض على الكراهية، والتى تحملها رياح العولمة، يصعب الفصل بين ما هو عالمى وما هو إقليمى، ما هو خارجى وما هو محلى، خطابات مختلطة تشتم منها رائحة حروب دينية، يسعى بعض العقلاء لصدها، بينما يرى آخرون أن توظيف الدين فى تلك المرحلة يحقق نتائج بالنسبة لهم. لم أستغرب حين سمعت بنيامين نتنياهو فى حواراته أثناء الحملة الانتخابية يتحدث عن أنه هزم التحالف الشيعى، ويستعد لهزيمة التحالف السنى، وأنه حذر الرئيس ماكرون من أنه إذا لم يهزم حماس ــ التى وصفها بأنها أسوأ من داعش ــ سوف يجدها فى شوارع باريس، ودلل على صدق رأيه بما يحدث فى فرنسا الآن.

 الكل يلعب بورقة الدين، تيار إسلامى ويمين رأسمالى، بل وتتلاقى أجندة اليسار الأوروبى مع الإسلاميين، كما يذهب بعض المحللين، أطراف كثيرة تريد الاستفادة من الورقة الدينية لخدمة مصالحها المباشرة، أما الضحايا الحقيقيون فهم المواطنون العاديون، الذين يتعرضون إلى حملات لا تتوقف من الكراهية الدينية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved