دلالات تصويت الفلسطينيين داخل إسرائيل فى انتخابات الكنيست الـ26
يحيى عبد الله
آخر تحديث:
الثلاثاء 3 نوفمبر 2026 - 6:30 م
بتوقيت القاهرة
يمكن التحدث من زوايا عديدة عن انتخابات الكنيست السادس والعشرين، التى جرت مؤخرًا فى إسرائيل، وعن السيناريوهات العديدة المتوقعة لتشكيل ائتلاف حكومى، ومن بينها، تشكيل حكومة وحدة وطنية، تجمع الفرقاء، خاصة إذا مورس ضغطٌ حقيقى من جانب الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، والرئيس الإسرائيلى، حاييم هرتسوج، على زعيمى الحزبين اللذين حققا أكبر نسبة من المقاعد: حزب الليكود، بزعامة مجرم الحرب، بنيامين نتنياهو (27) مقعدًا، وحزب ياشار، بزعامة رئيس الأركان السابق، جادى آيزنكوت (21) مقعدًا.
• • •
لكن لندع التخمينات والتوقعات جانبًا، لأن الأمر معقدٌ للغاية ومختلفٌ هذه المرة. دعونا نتحدث عن الظاهرة الأبرز فى هذه الانتخابات، ألا وهى حصول القائمتين الحزبيتين لفلسطينيى الداخل (القائمة العربية المشتركة التى تضم ثلاثة أحزاب: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والحركة العربية للتغيير، والتجمع الوطنى، ويرأسها البروفيسور يوسف جبارين، ثم القائمة العربية الموحدة، ويرأسها الدكتور منصور عباس) على 19 مقعدًا (11 للقائمة العربية المشتركة، و8 للقائمة العربية الموحدة) من أصل 120، وحلتا، مجتمعتين، بذلك، فى المرتبة الثالثة من حيث عدد المقاعد بعد «الليكود» و«ياشار». قوة سياسية لا يستهان بها فى برلمان -كنيست- يتكون من 120 مقعدًا.
ومن ثم فإن الفائز الأول فى هذه الانتخابات، فى واقع الأمر، هم المواطنون الفلسطينيون داخل إسرائيل، كما يقول، ميخائيل كلاينر، الذى يشير، إلى أن انتخابات 2026م، ستدخل مناهج العلوم السياسية، و سيذكرهاالتاريخ بوصفها نقطة تحول فى كل ما يتصل بقطاعين خاصين من السكان، هما الحريديون، والعرب".
يكفى أن نشير إلى أن القوائم الحزبية الفلسطينية حصلت فى انتخابات الكنيست السابق، الـ25 على 10 مقاعد فقط. لم يتحقق هذا الإنجاز التاريخى، من فراغ، وإنما أسهمت فى تحققه أربعة عوامل رئيسية.
يتمثل العامل الأول فى رفض رؤساء كل الأحزاب الصهيونية اليهودية، بما فى ذلك الأحزاب التى تصف نفسها بأنها كتلة التغيير، إشراك فلسطينيى الداخل فى أى ائتلاف حكومى، قد تشكله. مما يسترعى الانتباه أن جملة حكومة صهيونية قد درجت، قبيل إجراء الانتخابات وبُعيْدها، على ألسنة رؤساء هذه الأحزاب على اختلاف مشاربهم السياسية، ما يعنى أن هناك إجماعًا على قصر الائتلاف المزمع تشكيله على العنصر اليهودى فقط.
لذا، كان تصويت الفلسطينيين داخل إسرائيل تصويتًا احتجاجيًا ضد هذه العنصرية والفاشية، وضد حكومة اتخذت من التحريض والإقصاء سياسة لها، وهو ما تشير إليه، راوية حندقلو: «طوال المعركة الانتخابية، تنافس رؤساء أحزاب كتلة التغيير فيما بينهم حول من يوضح بشكل أكثر حزمًا بأنه لن يجلس فى ائتلاف مع الأحزاب الفلسطينية، حتى بعد أن كان واضحًا أنه من دون أصواتهم سيكون من الصعب إلى مستحيل إحداث تغيير سياسى».
لم ينضج المواطن اليهودى داخل إسرائيل بما فيه الكفاية كى يقبل بحق المواطن الفلسطينى فى مساوة كاملة معه، بما فى ذلك الحق فى ممارسة السياسة وتبوء مناصب وزارية. يعترف، ميئير عوزيئيل، وهو شخصية مقربة من الرئيس الإسرائيلى، بأنه لا يمكن تجاهل الإنجاز الذى حققه فلسطينيو الداخل، لكنه، يصادر حقهم الطبيعى فى ممارسة السياسة، مستنكفًا أن يكونوا جزءًا من أى ائتلاف حكومى: «يمكن للمصوت العربى أن يكون متطوعًا فى الإسعاف الإسرائيلى، هو طبيبى، هو من يصب الهيكل الخرسانى لبيتى، عملت مع مطربة عربية رائعة، أعددت معرضًا بالتعاون مع عرب فى أريحا. لى أصدقاء عرب. لكن، فكرة التحالف مع الأحزاب غير الصهيونية فى ائتلاف حكومى ومنحهم إمكانية تحديد من يكون رئيس الحكومة فى إسرائيل وما الذى يفعله، هو نوع من الانتحار. الساسة العرب معادون للصهيونية. ولا يجب للمعادين للصهيونية أن يكونوا فى الحكم. حذار من الاعتماد على الساسة العرب المعادين للصهيونية».
يشير، دكتور، نحمان شاى، إلى هذه النزعة العنصرية بقوله: «عشية الانتخابات الأخيرة قررت كل أحزاب الأغلبية الصهيونية اليهودية، كل حزب بأسلوبه وبطريقته، معارضة دخول الأحزاب الفلسطينية شريكًا فى أى ائتلاف حكومى»، مشيرًا إلى أنها كانت القشة التى قصمت ظهر البعير.
• • •
يتمثل العامل الثانى فى الحملة الفاشية، التى قادها مجرم الحرب، نتنياهو، قبل وبعد الانتخابات ضد الأحزاب الفلسطينية. يقول، بر بيلج وعومر بن يعقوف، إن كل "بوست" ثان فى يوم الانتخابات كان موجهًا ضد الأحزاب الفلسطينية، وإن نحو نصف إعلانات نتنياهو فى يوم الانتخابات استهدفت نزع الشرعية عن التصويت لها، وحذرت من ذلك: «مؤيدو الإخوان المسلمون يغيرون على الصناديق ويسرقون الانتخابات»، هكذا حذر نتنياهو فى كل حساباته على شبكات التواصل الاجتماعى، وكذلك: «هم يتقاطرون من أجل إسقاط اليمين!».
إلى جانب فيديو بالذكاء الاصطناعى يظهر فيه إنسان وهو يرفع مفتاحًا بداخل طوق سلسلة مفاتيح فى صورة دولة إسرائيل ويمنحه لرئيس القائمة العربية المتحدة منصور عباس، مع التأكيد: «لا تعطوهم مفاتيح الدولة». لم يكتف نتنياهو بهذه الحملة الفاشية، وإنما بيت النية للتشكيك فى نزاهة التصويت للأحزاب الفلسطينية، إذ أمر رئيس الشاباك بالتحقيق فى وجود رشى انتخابية، وتلقى منه تقارير يومية، فى هذا الشأن، لاستغلالها، بحسب بن كسبيت، سياسيًا، والتشكيك فى نزاهة الانتخابات وتقويضها.
يؤكد أفى بنيهو أن شكوى نتنياهو من وجود رشاوى لشراء أصوات وأمره رئيس اللجنة المركزية للانتخابات، القاضى نوعم سولبرج، بالتحقيق فى ذلك قد ضُخِما، بشكل متعمد، "ليس من أجل الوصول إلى الحقيقة وإنما من أجل تشويه المواطنين الفلسطينيين وكل الأحزاب الفلسطينية، وجعل أى شراكة معهم غير مشروعة".
يحاول نتنياهو منع تشكيل حكومة أقلية تستند إلى الأحزاب الفلسطينية، من خلال شيطنتها. لقد تقمص، بحسب افتتاحية "هاآرتس" "شخصية بن جفير، سليل نهج كهنا فى تعميق الكراهية تجاه 22% من مواطنى الدولة".
• • •
أما العامل الثالث، فيتمثل فى السياسة الممنهجة، التى اتبعها وزير الأمن القومى الإسرائيلى، إيتمار بن جفير، تجاه الفلسطينيين داخل إسرائيل، الذى شكل حرسًا وطنيًا ليقمع فلسطينيى الداخل، متى سنحت له فرصة مواتية، بحسب، نحمان شاى، ولم يتخذ إجراءات ملموسة تجاه المنظمات الإجرامية، التى عاثت فسادًا فى أوساط المجتمع الفلسطينى، حتى وصلت أعداد القتلى منهم فوق ما يُمكن تصوره. ولَّد شعور الفلسطينيين بأن حياتهم مستباحة، وبأنهم مهددون فى وجودهم رغبة لديهم فى تغيير هذا الواقع من خلال التأثير فى السياسات. يقول نحمان: لقد خرج الفلسطينيون إلى الانتخابات الحالية يدفعهم شعور بأنهم فى محنة حقيقية، فملأوا صناديق الاقتراع، وهو ما يؤكده أفى بنيهو، بقوله: لقد خرج الجمهور الفلسطينى عن بكرة أبيه للتصويت (نحو 80%) ليس من أجل تحقيق أهداف قومية، مثلما زعم نتنياهو، وإنما من أجل الحفاظ على الأبناء والأحفاد الذين يقتلون الواحد تلو الآخر فى شوارع القرى وفى مراكز المدن. خرجوا ليأخذوا مصيرهم وأمنهم الشخصى بين أيديهم.
لقد خرج الفلسطينيون إلى التصويت، بعد أربع سنوات من التعامل الوحشى من جانب وزير الأمن القومى، الذى غض الطرف عن مئات حالات القتل والجريمة، وهدم البيوت، والإهمال المتعمد، هم صوتوا ليس احتجاجًا فقط، وإنما من داخل رغبة فى تغيير وجه الدولة، بعد أربع سنوات كاملة اعتبرهم فيها بن جفير أعداءً.
يقول ناحوم برنياع: «لقد تُرجمت أربع سنوات من حكومة بن جفير، ومن عمليات القتل اليومى تحت سمع وبصر الشرطة، ومن الغبن والإذلال، إلى نسبة تصويت لا أذكر لها مثيلًا، لقد تجولت أمس فى منطقة المثلث ورأيت الطوابير على صناديق الاقتراع، ورأيت النساء، بمن فى ذلك العجائز، الذين امتثلوا عن بكرة أبيهم، ورأيت الإصرار فى العيون».
• • •
يتمثل العامل الرابع فى تخوف الفلسطينيين من المخططات الحكومية التى تُحاك ضدهم، ومن أن يكون مصيرهم مثل مصير إخوانهم فى الضفة الغربية المحتلة، حيث كشفت، فى الآونة الأخيرة، خططٌ تلقى دعمًا حكوميًا لمهاجمة الفلسطينيين فى مناطق إقامتهم داخل إسرائيل من أجل دفعهم إلى مغادرتها، وفى موازاة ذلك، ظهرت العصابات الاستيطانية الإرهابية اليهودية، التى تنشط فى الضفة الغربية، الذين يُطلق عليهم «فتية التلال»، قريبًا من قرية «مجد الكروم»، وهى بلدة فلسطينية تقع فى الجليل الأعلى قريبًا من مدينة عكا، وأقاموا هناك بؤرة استيطانية، ولم يخفوا نواياهم بشأن العمل على غرار ما يعملونه فى الضفة الغربية من إقامة مزارع ومستوطنات.
صحيح أن السلطات أخلتهم، لكن الرسالة من وراء ذلك كانت واضحة، مفادها، أن حياة الفلسطينيين داخل إسرائيل أيضًا غير آمنة؛ هذا فضلًا عن الخطة المعلنة لوزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، بشأن تهويد منطقة الجليل، التى تلقى دعمًا حكوميًا واضحًا. كل هذه الأمور استنفرت لدى المواطن الفلسطينى داخل إسرائيل غريزة البقاء، ودفعته إلى الخروج للتصويت.
لقد بعث الفلسطينيون داخل إسرائيل، من خلال نسب التصويت العالية، برسالة شديدة اللهجة، مفادها، أنهم صامدون فى أراضيهم، باقون فيها، وأنهم يطالبون بالمشاركة الفعلية فى عملية اتخاذ القرارات، وبالتأثير فى الحكم، وفى رسم السياسات، وأنهم يرفضون الاكتفاء بتمثيل رمزى، كما كان عليه الحال قبل هذه الانتخابات.
أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة