محاولة لرسم مسار خريطة التغيير من الجزائر إلى السودان ولبنان وصولا إلى العراق

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 3 ديسمبر 2019 - 9:25 م بتوقيت القاهرة

تبدو الدول العربية، فى هذه الحقبة، متباعدة، وأحيانا إلى حد العداء، متنابذة، متكارهة، انفصل أغنى أغنيائها بالنفط والغاز عن فقرائها حتى لكأنهم لم يكونوا فى أى وقت أمة واحدة، ولن يكونوا فى غدهم أشقاء متضامنين متكافلين فى السراء والضراء.
قصد أهل النفط والغاز الولايات المتحدة الأمريكية فارتهنت ثرواتهم، وذهبوا إلى أوروبا بعنوان باريس فاشتروا عقارات فخمة لا يمكن نقلها إلى بلادهم الصحراوية، وإن هم جاءوا بنسخ من متاحفها، إلى بعض عواصمهم.
ومع تقديرنا للرغبة العارمة فى التقدم التى تجتاح أبناء هذه الأقطار الغنية بنفطها والغاز، ومع وعينا بأن الشعوب طالما أخذت عن بعضها البعض أسباب الحضارة، فأكمل «الناقل» مهد «المبدع»، وأضاف المتأخر ــ زمنيا ــ إلى جهد المتقدم فى مختلف مجالات الإبداع، رسما ونحتا وعمارة وموسيقى وغناء إلخ..
إلا أن علاقات أخوة الأغنياء مع إخوتهم الفقراء تضعف مع الأيام حتى تكاد تنعدم بعدما تحولت من موجبات الأخوة إلى مواضع الاستثمار حيث تتعاظم وتتضاعف الثروات على حساب عرق جباه أولئك «الإخوة الفقراء».
صار مال أهل النفط والغاز من العرب مكرسا للاستثمار والتوظيف حيث يعفى أكثر فأكثر، فإن هم وجدوا «شركاء» لهم فى نهب ثروات الأقطار الشقيقة اعتمدوه، وإلا اكتفوا بتوظيف هؤلاء الإخوة، أو بعضهم، لأنهم أرخص أجرا من الخبراء الأجانب، ثم إن بوسعهم أن «يطردوهم» فى أى لحظة.. مع التحية لموجبات الأخوة!
***
حتى جامعة الدول العربية باتت مفرغة من أى مضمون.
ولنتذكر أن مشيخة قطر العظمى قد نجحت بقوة غازها فى طرد دولة عربية أى سوريا وهى بين الدول القليلة التى أسهمت فى إقامة جامعة الدول العربية فى القاهرة.
ولنتذكر أيضا أن القضية المقدسة، فلسطين، قد بات لها مقعد فى هذه الجامعة، لكن «القضية المقدسة» قد غابت عنها، وصار عدد الدول الأعضاء ممن لها علاقات مميزة مع الكيان الصهيونى كبيرا بما يمنع أن تكون هذه «الجامعة» منطلقا للجهاد من أجل تحرير فلسطين أو للمساعدة على إنجاز هذه المهمة المقدسة.
بل إن قادة العدو الإسرائيلى، بشخص رئيس حكومتها (حتى الساعة) نتنياهو، باتوا يقومون بزيارات علنية لبعض الدول العربية التى لم تكن قد اعترفت بدولة العدو الصهيونى، ويلقون من مسئوليها الترحاب.
هل من الضرورى التذكير بأن دولة العدو القومى ما تزال تعمل قتلا فى شعب فلسطين، بشبابه وشيبه، وتهدم القرى وأحياء فى المدن التى لها تاريخ، وتحاصر المسجد الأقصى وتطارد المصلين القادمين إليه، كما تحاصر كنيسة القيامة وزوارها.
لقد صار قطاع غزة أهم من فلسطين، التى هو بعض منها، كذلك فإن مدن الضفة الغربية وقراها صارت مسرحا لعمليات الإغارة والقتل وهدم البيوت.
كل ذلك وسلطات العدو الإسرائيلى واثقة أن ردود الفعل فى مختلف العواصم العربية ستتراوح بين الاستنكار الفارغ من المضمون وصمت التواطؤ المكشوف.
***
فى البداية، أقيم مجلس التعاون الخليجى، ليكون بمثابة نادى الأغنياء من العرب، بعيدا عن جامعة الدول العربية التى تركت للفقراء. بل إن هذا المجلس صار بديلا عن الجامعة، وصارت له سياساته «المستقلة» وتعاقدت أقطاره مع دول أخرى بديلة عن أشقائه العرب، بينها تركيا فضلا عن دول الغرب ثم روسيا ومجموعة الدول التى كانت فى «الاتحاد السوفيتى»، فضلا عن أوروبا، بعنوان بريطانيا أساسا، وإن كان تملك الخليجيين قد اجتاح باريس ولندن وبعض المدن السويسرية إلخ..
ثم خرجت مصر، أو أخرجت من جامعة الدول العربية بعد اتفاق كامب ديفيد والصلح مع العدو الاسرائيلى «فانتقلت» إلى تونس واختير لأمانتها الأمين العام السياسى التونسى المخضرم الشاذلى القليبى.
لكن هذه الجامعة التى عادت إلى القاهرة وأعادت أمينها العام إلى مصر كانت قد فقدت بعض أبرز أسباب وجودها، لاسيما.
أُسقطت صفة العدو عن العدو الإسرائيلى، الذى لم يضيع الفرصة فأخذ رئيس حكومتها يجول بين العواصم العربية، وصولا إلى مسقط عاصمة عُمان، وإيفاد بعض دبلوماسييها إلى بعض دول الخليج العربى.
وكان سبق ذلك ترتيب لقاء بين الراحل ياسر عرفات ورئيس حكومة العدو الإسرائيلى مناحيم بيجن فى البيت الأبيض فى واشنطن ضمن «احتفال» يشبه المهرجان، وسيعود ياسر عرفات (المريض) ليدخل فلسطين ليحول فيها اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير إلى «سلطة وطنية» بحكومة ووزراء وإرادة ومحافظين على بعض الضفة الغربية، فى حين احتفظت دولة العدو بحقوق السيادة، وبينها حق مطاردة المقاومين ونسف البيوت واعتقال من تشتبه بأنه ما زال «يحلم» بتحرير فلسطين.
***
صار العرب بلا قضية جامعة: سقطت شعارات الوحدة العربية وحلم الاشتراكية وتحرير فلسطين، وجاء زمن تفجر أو تفجير الخلافات العربية ــ العربية.
تم تفجير سوريا عام 2011، بعد الاحتلال الأمريكى للعراق فى مطلع 2003، والانقلاب العسكرى فى تونس الذى أطاح الجنرال زين العابدين بن على بالحكم المدنى شبه الديمقراطى، قبل أن تطرده انتفاضة شعبية رائعة فجرها البوعزيزى.
يبقى الأمل قائما بثورة الجزائر التى تعيش فى الشارع منذ سبعة شهور بعد إسقاط الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.. ويناور الجيش حاليا لانتخاب رئيس جديد بدل تحقيق مطالب الثورة بالتغيير الشامل واستيلاد نظام ديمقراطى.
كذلك الأمر فى السودان. لقد انفجر الشعب فى تظاهرات عارمة أقامت فى الشارع شهورا حتى إسقاط الدكتاتور حسن البشير ونظامه.
وسبق الجيش الثوار فأقال البشير وسجنه تمهيدا لمحاكمته.
لكن الشعب ظل لشهور فى الشارع حتى خضعت القيادة العسكرية فتم التوافق على حكومة تمثل الثوار ويشارك فيها الجيش بمقعدين.
***
وها هو شعب لبنان فى الشارع، منذ أكثر من أربعين يوما، على امتداد مساحة هذا الوطن الصغير يطالب بالتغيير، وقد استقالت الحكومة من دون أن تتمكن الطبقة السياسية من تشكيل غيرها، حتى الساعة.
كذلك فإن الشعب العراقى يملأ شوارع بغداد والبصرة فضلا عن النجف وكربلاء ومدن أخرى كثيرة، مطالبا بالإصلاح والتغيير... ويتساقط القتلى يوميا، بعد استقالة الحكومة معترفة بعجزها عن تلبية مطلب شعبها المفقر بينما أرضه أغنى أرض فى الكون.
والأيام حبلى ببشائر التغيير، بعد..
والخوف يتجاوز العدو الإسرائيلى إلى ما ترسمه الإمبريالية الأمريكية من مخططات لاستيعاب هذه الانتفاضات وإجهاضها أو حرفها عن المسار الطبيعى إلى مطالبها، وهى هى حقوقها..

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved