الثورة المصرية والإعلام الجديد.. قراءة فى النماذج المعرفية

هشام جعفر
هشام جعفر

آخر تحديث: السبت 4 فبراير 2012 - 10:50 ص بتوقيت القاهرة

يتحدث الكثيرون عن أن ثورات الربيع العربى هى بامتياز ثورات الميديا الجديدة، ومع اتفاقنا أن هذه الثورات قد استفادت مما أتاحته الميديا الجديدة من إمكانيات، ولكن مشكل هذا التصور أنه يتعامل مع الميديا الجديدة باعتبارها أدوات للحشد والتعبئة وخلق الوعى وبناء الشبكات، ولم يلتفت إليها باعتبارها تعبيرا عن نموذج معرفى جديد سيكون له تداعيات على مجمل الحراك الثورى ومستقبله.

 

خصائص الإعلام الجديد

 

الإعلام الجديد ظاهرة مركبة ومعقدة، تأخذ اتجاهات شتى، وهو بالمناسبة لم يعد إعلاما جديدا، بل أصبح هو الإعلام السائد الآن، وهو يتسم بعدد من الخصائص أبرزها:

 

1ــ التفاعلية وما بعد التفاعلية، فالجمهور لم يعد متلقيا للمحتوى والرسالة الإعلامية، بل أصبح متفاعلا معها: إنتاجا، وتعليقا، وتوزيعا.. إلخ (الانتقال من الإعلام إلى الاتصال).

 

2ــ الاندماج الإعلامى بين الوسائط الإعلامية المختلفة (تليفزيون ــ صحافة ــ إذاعة ــ إنترنت ــ موبايل...) مع الاستفادة من خصائص كل أداة.

 

3 ــ الجميع يستطيعون إنتاج المحتوى مستفيدين من إمكانيات الإنترنت المجانية فى النشر.

 

4 ــ الجميع يملك إمكانية تدوير المحتوى (توزيعه) والترويج له.

 

5 ــ وصول المحتوى حيثما وحينما يريد المستخدم، أى انتهاء عصر التوقيت Timeless، فالمستخدم يستطيع أن يتعامل مع المحتوى فى أى وقت، وفى أى مكان يريده.

 

الإعلام الجديد... نموذجًا معرفيًا

 

1 ــ الفردانية = الفرد تعاظم دوره فى إنتاج المحتوى وتدويره والتفاعل معه وذلك فى مقابل المؤسسة المحترفة التى كانت تستقل بإنتاج المحتوى، كما ازدادت مسحة تعبير الفرد عن ذاته.

 

2 ــ تعاظم قيمة الحرية القائمة على الإقناع/الدعوة فى مقابل الضبط السلطوى.

 

3 ــ الاعتراف بالتنوع/التعدد بما يعنيه من انفتاح على الذات المتنوعة، والآخر المختلف.

 

4 ــ النفع والعملية: الذى يعنى تجاوز الأيدلوجى الذى اختص بالإجابة عن الأسئلة الكبرى، إلى البحث عن إجابة للأسئلة الصغرى.

 

فالخطاب الفاعل الآن هو خطاب المعاش الذى يهدف إلى تحسين نوعية حياة الناس بشكل عملى.

 

5 ــ بين الخصوصية والبحث عن المشترك الإنسانى: هناك اتجاهان يتنازعان العالم الآن، والإعلام الجديد هو المنصة Plate Forum التى يتحرك عليها ويغذيها:

 

* الاتجاه الأول: الإرتداد للخصوصيات المحلية والثقافية والولاءات دون القومية.

 

* الاتجاه الثانى: توسعة المشترك الإنسانى بحكم إدراك أن التحديات التى تواجه البشرية مشتركة.

 

6 ــ غياب المركز/المطلق/المرجعية: فهناك سيولة شديدة فى المحتوى المقدم وقد أدت هذه الظاهرة إلى:

 

عدم العمق الثقافى والمعرفى، فتدفق المعلومات لا ينشئ بالضرورة معرفة.

 

انقضاء فكرة الخطاب السديد، والقول النهائى، والتحول إلى فكرة القول المناسب الذى يعنى مناسبته أو ملائمته فى ظل ظرف زمنى ومكانى ومجتمعى محدد.. وأصبحت النسبية الشديدة فى القول والفعل هى الحاكمة لمجمل النموذج المعلوماتى المقدم فى الإعلام الجديد.

 

7 ــ الاستهلاك الشره والسريع للمحتوى والرموز والمؤسسات التى تنتج المحتوى، والخدمات التى تقدم... إلخ، فهناك تجاوز سريع ومتسع لها.

 

8 ــ تعاظم قيمة المعرفة:

 

* التى لم تعد محلية بل عالمية.

* تقوم على التشاركية فى إنتاجها.

* الفجوة فيها يمكن تجاوزها؛ أقصد الفجوة بين متقدم ومتأخر.

* أصبحت مراكزها متعددة، ويمكن الوصول إليها.

* تحولت من الاعتماد على المقروء فقط سابقا إلى تكامل وتعدد وسائطها.

الميديا الجديدة والثورة المصرية

 

إذا كانت الثورات العربية جميعا قد استفادت من الإعلام الجديد كأحد أدوات:

 

*الحشد والتعبئة

* التوعية السياسية

* بناء الشبكات

 

إلا أن الأهم أنها تعاملت مع المكون الثقافى والمعرفى للميديا الجديدة  وكان ميدان التحرير ــ روحا وقيما ــ المجسد الحقيقى لذلك:

 

1 ــ تجاوز الأيدلوجى للبحث عن المشترك الوطنى والإنسانى الجامع والتوحد حوله (عيش ــ حرية ــ كرامة إنسانية ــ إسقاط النظام).

 

2 ــ الاعتراف بالتنوع والاختلاف، وإدارته لتحقيق غاية وطنية جامعة، فقد اكتشف الشباب أولا فى مساحات المتخيل (على الإنترنت) أنهم متنوعون: أيدلوجيا وطبقيا وجهويا ودينيا وثقافيا، ثم كانت إدارة التنوع فى الميدان سبيلا للثراء الشديد الذى اتسم به سواء فى الفعل الثورى أو أشكال التعبير عن هذا الفعل.

 

تحول الميدان فى هذه اللحظة سبيلا لمعرفة المصريين ببعضهم البعض بعد أن تقوقع الجميع قبل ذلك خلف أسوار ثقافة الكمبوند، وإن لم يسكنوه.

 

3 ــ غياب المركزية، وتأكيد اللاسلطوية، فقيادة الثورة المصرية كانت قيادة غير عضوية فضفاضة ــ بتعبيرات أستاذنا المسيرى فى توصيفه للانتفاضة الفلسطينية الأولى ــ.

 

وهنا يحسن الإشارة إلى أن السلطة الأبوية قد سقطت فى نفوس هؤلاء الشباب؛ وهو ما لم يستطع المجلس العسكرى باعتباره آخر معاقل السلطة الأبوية فى المجتمع أن يدركه حتى الآن.

 

لقد سقطت سلطة الأب فى الأسرة نتاج عوامل اجتماعية واقتصادية لا داعى للتفصيل فيها الآن، وسقطت سلطة المدرس/المؤسسة التعليمية، وسقطت سلطة الشيخ/القس والمؤسسة الدينية، وسقطت سلطة أجهزة الدولة المصرية باعتبار أن جيلنا ــ جيل الثمانينيات ــ آخر من شهد سلطة هذه الأجهزة حين تعلم فى مدارسها وتخرج فى جامعاتها وعمل فى بعض مؤسساتها، ولكن الأجيال التالية تهاوت فى نفوسها هذه السلطات جميعا، ثم كان إسقاطها لرأس النظام إسقاطا لآخر رموز السلطة الأبوية فى المجتمع، وهذا يفسر لماذا لم يفلح مع هؤلاء الشباب الخطاب الأبوى الذى حاول  النظام أن يستميلهم به آخر أيامه، بينما أثر فينا نحن الأجيال الأكبر.

 

4 ــ الانفتاح على العالم دون خوف أو وجل، فشباب التحرير كان لهم اتصال كبير بالعالم الحديث من خلال التعليم أو السفر أو عبر استخدام الإنترنت، وقد سمح لهم هذا التفاعل الإيجابى بإدراك أن مصر لا ينقصها شىء لتكون فى مصاف دول العالم الحديث.

 

***

 

وأخيرا، يحسن أن أؤكد أنه حتى الآن لم يتم تجاوز الأطر القديمة بالكلية، ولكن إبداع الثورة المصرية هى فى قدرتها على الاستفادة من هذه الأطر القديمة وتوظيفها لتحقيق أهدافها.

 

فالشراكة بين القديم الذى يحسن تجديده، وبين الجديد الذى يجب تأصيله ومأسسته؛ سبيل لتحقيق واستكمال أهداف الثورة، وفى هذا السبيل يمكن أن نسوق مثالين:

 

*الأول: الشراكة بين الجزيرة وبين إنتاج المحتوى من قبل الثوار ساعد على فاعلية النموذج الإعلامى وانتشاره.

 

* الثانى: الشراكة بين تنظيم الإخوان وبين الثوار فى التحرير لمدة ثمانية عشر يوما قد ساهم فى حماية الثورة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved