هل نحن مستعدون للاصطفاف الوطنى؟

أشرف البربرى
أشرف البربرى

آخر تحديث: الخميس 5 مارس 2020 - 2:35 م بتوقيت القاهرة

بعد أن أظهرت تطورات ملف سد النهضة، بكل أسف، صحة رؤية المتشائمين، بل والمحذرين من المسار التفاوضى الذى استدرجتنا إليه إثيوبيا منذ حكم المجلس العسكرى بعد ثورة 25 يناير عندما التقى رئيس وزرائنا عصام شرف مع نظيره الإثيوبى ميليس زيناوى وحتى اجتماعات واشنطن، يبدو أن قضية السد دخلت نفقا مظلما، يحتاج الخروج منه إلى تحركات مصرية حاسمة، ربما تتجاوز الوسائل الدبلوماسية التقليدية.
فالعبث الإثيوبى بحقوق مصر التاريخية والمشروعة فى مياه النيل، هو أكبر خطر تتعرض له مصر فى تاريخها. فاحتلال الأرض، أو حتى التنازل عنها لهذه الدولة أو تلك، سينتهى مهما طال أجله لأن الأرض باقية فى مكانها. والعدوان العسكرى مهما كانت قوته وخطورته لن يقضى على وجود الدولة، بل والجماعات الإرهابية مهما تمددت مصيرها إلى زوال، لكن منع تدفق مياه النيل أو العبث به يعنى تعريض وجود مصر الدولة والشعب نفسه لخطر الفناء.
معنى هذا أن مصر قد تكون مقبلة على مرحلة شديدة الخطورة فى التعامل مع إثيوبيا التى يبدو أنها قررت المضى فى طريقها للإضرار بمصر وشعبها إلى نهايته. وإذا كان الأمر كذلك، فلا بديل أمام الشعب المصرى إلا الاصطفاف الوطنى، وتجاوز أى خلافات مرحلية والتوحد وراء فكرة الدفاع عن حقنا فى مياه النيل بكل الوسائل المتاحة، بل والسعى إلى امتلاك الوسائل غير المتاحة لاستخدامها فى الدفاع عن الحقوق المصرية المشروعة.
الزميل عماد الدين حسين رئيس تحرير «الشروق» يرى، وله كل الحق، أن «أزمة مياه النيل تحتاج تكاتفا وطنيا على أعلى مستوى» ولا يجب أن تكون مجالا للخلاف مع النظام الحاكم ولا الشماتة فيه، والزميل أنور الهوارى الكاتب الصحفى بـ«الأهرام» كتب على صفحته بموقع «فيسبوك» يقول إن قضية «النزاع مع إثيوبيا وربما السودان كذلك حول حقنا فى مياه النيل» من القضايا العامة التى تستوجب الاصطفاف الوطنى دون مزايدات، مضيفا أن هذا الاصطفاف لا يعنى عدم المساءلة ولا عدم المحاسبة ولا يعنى أن نمشى كالعميان خلف الحكام، لكن يعنى التحلى بالروح الوطنية الجامعة والتخلى عن روح الانقسام الحزبى والسياسى واصطياد الأخطاء بالحق أو بالباطل.
لكن تحقيق الاصطفاف الوطنى، فى العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين يحتاج إلى ما هو أكثر من الشعارات الرنانة والدعاية السياسية الجوفاء التى اعتادت أنظمة الحكم المتعاقبة استخدامها من نوعية «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» أو «علينا الوقوف صفا واحدا خلف القيادة السياسية» أو «بالروح والدم نفديك يا زعيم». ولكى يتحقق الاصطفاف المنشود والواجب والذى لا غنى عنه، يجب إعادة النظر فى الكثير من آليات ممارسة السلطة والحكم فى مصر، وفى مقدمتها اعتبار الرأى المعارض خيانة، وتصوير من يحاول أن يطرح رؤية مغايرة لرؤية السلطة إما باعتباره عميلا للخارج أو جاهلا بطبائع الأمور، وأن السلطة ورجالها فقط هم من يملكون الحقيقة المطلقة والحكمة المنزلة.
شعور المواطنين بأنهم شركاء فى الوطن هو السبيل الأمثل لتحقيق الاصطفاف الوطنى، لكن هذا الشعور بالشراكة لا يتحقق بالديمقراطية الشكلية التى نعيش فى ظلها، ولا بتأليه السلطة ورجالها، ولا بالرسالة الإعلامية الموحدة، ولا بإخفاء الحقائق وتطورات الأحداث عن الشعب.
الاصطفاف الوطنى ليس مطلبا مجانيا، سواء بالنسبة للشعب أو للحكام. فالشعب مطلوب منه تجاوز خلافاته، وتحمل المعاناة، والحكام مطالبون بإعادة النظر فى انفرادهم بالسلطة والقرار، وتهميش الشعب. فإذا ما أبدى الشعب استعداده لدفع ثمن الاصطفاف، فهل السلطة مستعدة لذلك؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved