فى الجذور البعيدة للتاريخ الأوروبى

إيهاب الملاح
إيهاب الملاح

آخر تحديث: السبت 4 أبريل 2026 - 6:25 م بتوقيت القاهرة

(1)
لا يمكن قراءة التحولات المصيرية فى تاريخ الأمم والشعوب، القديمة منها والمعاصرة، إلا إذا رددنا ما يبدو مشتتًا من وقائع وشخوص وظواهر تتناحر على السطح إلى جذورها العميقة فى لب الثقافة والمجتمع والتاريخ، والحفر بعيدا فى مجرى الزمن لقرون، وكشف التفاعلات الحيوية البطيئة التى محورها «الإنسان»؛ نواة كل تقدم أو تطور أو تحول مهما كان، وعلى أى مدى قريب أو متوسط أو بعيد تمامًا لمئات السنين.


هكذا نحاول أن نتعرف على الفترة المعروفة فى التاريخ الأوروبى بعصر العقل أو عصر الأنوار والتى قد تبدو للبعض للوهلة الأولى أنها انبثقت فجأة من دون مقدمات؛ لكن الدرس التاريخى التحليلى المعاصر لا يقر مثل النظرات الجزئية الانقطاعية؛ أبدًا.
من هنا تأتى الأهمية الكبرى لهذا الكتاب المرجعى الضخم؛ «السعى وراء المجد» من إصدارات المركز القومى للترجمة؛ لمؤلفه تيم بلاننج، أستاذ التاريخ والعلوم السياسية بجامعة كمبريدج؛ ومن ترجمة الأستاذ المؤرخ والأكاديمى القدير الراحل قاسم عبده قاسم؛ صاحب الأعمال المرجعية فى التأليف التاريخى والترجمات الباذخة.
الكتاب المرجع الذى يقع جزؤه الأول فقط فى 500 صفحة من القطع المتوسط، هو فى الحقيقة موسوعة زاخرة عن الثقافة الأوروبية قاطبة، وليس عن التاريخ الأوروبى «السياسى الاجتماعى»، كما هو شائع فى مثل هذا الحقل من الدراسة التاريخية.

(2)
نحن بإزاء دراسة شاملة تحلل وتفصل القول فى موضوعات قد تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن دائرة الكتابات التاريخية المعتادة أو المألوفة فما الذى يمكن أن ينتظره قارئ من معرفة تاريخ الأوبئة والأمراض والطواعين التى ضربت أوروبا فى المدى الزمنى الذى حددته الدراسة؟ وهل يبدو أن دراسة السلوك الاجتماعى والنوعى والاقتصادى للطبقات والشرائح الاجتماعية المختلفة للسكان الأوروبيين يمكن أن يقدم معرفة مفيدة من أى نوع؟!
نعم. بكثيرٍ من الثقة تأتى الإجابة عن الأسئلة السابقة إيجابًا بحماس كبير، لقد شهدت الفترة التاريخية التى حدد الكتاب مداها زمنى من سنة 1648 حتى 1815 الكثير من الأحداث والتحولات البارزة ليس فقط فى التاريخ الأوروبى، بل فى تاريخ العالم كله.
لقد شهدت هذه الفترة درجات غير مسبوقة من تنامى «العقلانية» و«العلمانية» فى أوروبا، وحُسمت صراعات عنيفة بين بقايا تصورات العصور الوسطى الدينية، وبين اكتشافات العلوم الطبيعية المذهلة وانفجار المعارف الإنسانية والاجتماعية فى الفلسفة والتاريخ والسياسة والاجتماع.. إلخ.
خلال هذه الفترة، نشر كتاب «المبادئ» لديكارت، وكتاب لوك عن «الفهم الإنسانى»، وكتاب هيوم عن «الطبيعة البشرية»، وكتاب مونتسيكيو عن «روح الشرائع» القوانين، وظهرت طائفة الموسوعيين «ديدرو، وألمبرت، وجان جاك روسو، وفولتير.. إلخ»، وتركوا موسوعتهم الباذخة.

(3)
هذه فقط، مجرد عينة من نصوص الإنتاج الفكرى والثقافى الذى قضى بحسم على الرؤية المركزية التقليدية للعالم، وفى القلب منه الإنسان، وكان ذلك النشاط أيضًا جزءًا لا يتجزأ من تلك الحركة الإنسانية الهائلة التى اندلعت فى أنحاء متفرقة من القارة العجوز؛ فى إيطاليا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا.. إلخ، وأدت فى النهاية إلى ظهور ما عرف بعصر التنوير أو عصر العقل أو الأنوار.
سبق هذا كله ما أطلق عليه المؤلف «بزوغ مقاصد فضفاضة تحتاج إلى التوافق مع التغيير الاجتماعى»؛ سيشرح ما يقصده بقوله إن أيًا ما كانت الطبيعة الاجتماعية للدول الأوروبية كلها فى تلك الفترة، فقد كان عليها جميعًا أن تتوافق مع ظهور نوع جديد من الفضاء الثقافى أو ما يطلق عليه «المجال العام».
كان المجال العام الذى يقع بين عالم الأسرة الخاص والعالم الرسمى للدولة، ساحة استطاع فيها الأفراد الذين كانوا منعزلين فيما سبق أن يتجمعوا لتبادل المعلومات والأفكار والنقد. وسواء كانوا يتواصلون مع بعضهم بعضًا على المدى الطويل، ويتشاركون الفترات الزمنية نفسها أو يتقابلون وجهًا لوجه فى المقهى أو واحدة من الروابط التطوعية التنظيمية الجديدة أو جمعية ثقافية معينة فإن العامة حازوا وزنًا جماعيًا فاق كثيرًا المجموع الكمى للأعضاء الفرديين، وكان أن برز من المجال العام منبع جديد للسلطة يتحدى ويواجه صناع الرأى فى النظام الأوروبى القديم، ذلك هو ما عرف ويعرف حتى الآن بـ«الرأى العام».

(4)
«السعى وراء المجد»؛ كتاب ثرى وممتع استحضر فيه مؤلفه واحدة من أكثر الفترات الاستثنائية فى التاريخ الأوروبى الحديث؛ بداية من وضع القارة الأوروبية الممزقة والمعزولة بعد حرب الثلاثين عامًا، إلى فترة اندلاع الثورة الفرنسية 1789 حتى حروب نابليون بونابرت فى النصف الأول من القرن التاسع عشر.
رحلة طويلة لكنها ممتعة، سيقابل فيها القارئ شخصيات تاريخية تركت أثرًا عميقًا على التاريخ الأوروبى بل العالمى، وستتردد أسماء لويس الرابع عشر، وفردريك الكبير، ونابليون بونابرت، وغيرهم، لكن ليس باعتبارهم ملوكًا وأباطرة وقوادًا عسكريين بل أيضًا باعتبارهم ذواتًا تاريخية فاعلة فى مسار حركة التاريخ الأوروبى الحديث.
أتصور أن مآسى وكوارث الإدارة الأمريكية الحالية بكل العبث والفوضى والارتباك الحاصل مرده الأساسى غياب الوعى بالتاريخ، وإدراك جذور تلك العلاقة بأوروبا تاريخيًا وثقافيًا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved