التجربة الرواندية في التعليم الثانوي

محمد القرماني
محمد القرماني

آخر تحديث: الثلاثاء 4 يونيو 2019 - 9:50 م بتوقيت القاهرة

لست خبيرا أو متخصصا فى سياسات التعليم ولكن قادتنى الظروف أن أتعرف على إحدى التجارب الحديثة والرائدة والمبشرة بالنجاح أيضا فى مجال التعليم ما قبل الجامعى، ونظرا لأهمية التعليم فى التنمية فقد رأيت أن أشارك القراء الأعزاء وربما صانعى القرار والمهتمين بالتعليم والتنمية بشكل عام فى الخطوط العامة لتلك التجربة علها تكون مفيدة. الدولة صاحبة تلك التجربة هى رواندا ــ نعم رواندا ــ تلك الدولة الإفريقية التى شهدت فى منتصف التسعينيات واحدة من أبشع الحروب الأهلية فى التاريخ البشرى والتى أبيد خلالها ما يقرب من ١٠٪ من سكانها فى أقل من عام تقريبا ولكن ما لبثت أن بدأت رواندا رحلة البناء والتنمية وتجاوزت الماضى الدموى وأصبحت اليوم واحدة من الدول الواعدة فى إفريقيا.

انطلاقا من أهمية الاستثمار فى رأس المال البشرى ولأن رواندا تتطلع للعب دور ريادى فى محيطها الإقليمى بل وعلى مستوى القارة الإفريقية بأكملها فقد بدأت فى عام ٢٠١٥ عملية شاملة لتطوير التعليم تستهدف التحول من نظام مراكمة المعارف والمهارات إلى بناء وتطبيق ما يكتسبه الطالب من معلومات خلال مراحل التعليم from knowledge and skills acquisition to knowledge creation and application وذلك بغرض تدعيم التنافسية وتأهيل الخريجين للالتحاق بسوق العمل وتقليل حدة البطالة. ودون الدخول فى التفاصيل فقد تضمنت عملية الإصلاح بشكل رئيسى تطوير المناهج الدراسية حيث تم إضافة مواد عن التفكير النقدى والإبداعى والابتكار وأساسيات التواصل والتفاوض وغيرها من المواد التى لا تعتمد على الحفظ والتلقين بل تهدف بشكل رئيسى لبناء المهارات الاجتماعية والمهنية اللازمة لسوق العمل. الإضافة الأكبر فى عملية تطوير المناهج كانت تضمين مكون دراسى إجبارى عن ريادة الأعمال يتم تدريسه لطلاب المرحلة الثانوية ويهدف إلى تزويد الطلاب بالمهارات اللازمة والمعارف الأساسية لإقامة المشروعات مثل إعداد دراسات الجدوى والتسويق وكذا التطبيق العملى لتلك المعارف عن طريق تشكيل فرق عمل طلابية يقوم كل منها بتصميم وتنفيذ مشروع حقيقى داخل المدرسة تحت إشراف المدرسين. ونظرا لأن نجاح تلك التجربة لا يتوقف على جودة المناهج فحسب بل يمتد أيضا لقدرة المدرسين على تدريسها والإشراف على الأنشطة الطلابية فقد قامت الحكومة بتدبير اعتمادات مالية لتدريب وبناء قدرات المدرسين باعتبارهم جزءا رئيسيا من نجاح المنظومة التعليمية. المثير للانتباه والإعجاب أيضا أن الحكومة الرواندية وبالتعاون مع منظمات غير حكومية قد تعاقدت مع مراكز بحثية أمريكية بغرض متابعة وتقييم تلك التجربة على أرض الواقع وعلى مدى سنوات تنفيذها للتعرف على عوامل الفشل أو النجاح وتعديل المسار إن لزم الأمر.

***
ويظل فى نظرى أبرز ما يميز التجربة الرواندية أنها ابتكار وطنى خالص ونابعة من احتياج المجتمع ومتطلباته وليست مملاه على رواندا من المنظمات الدولية بل على العكس كانت مثار إعجاب المتخصصين والمعنيين بشئون تطوير التعليم وهو ما شجع بعض الدول الأفريقية على استنساخها. من يعمل فى الشأن العام يدرك جيدا أن نجاح المشروعات التنموية (التعليم، الصحة، الأمن الغذائى وغيرها) يعتمد بشكل كبير على مدى توافقها مع قيم وثقافة المجتمع وقدرات وإمكانيات وطبيعة المستهدفين منها ومدى استيعاب القائمين على تنفيذها لمحتواها، وبالتالى فإن التجارب المستوردة «على الجاهز» قد لا تؤتى ثمارها إلا إذا تم تطويعها وتعديل تفصيلاتها لتلائم البيئة الجديدة حتى وإن كانت تلك التجارب ناجحة فى مجتمعاتها الأصلية. وعليه فإن ما يعنينا هنا ليس بالطبع نقل التجربة الرواندية كما هى لأن الظروف والثقافة والإمكانيات والاحتياجات مختلفة ولكن من المفيد استخلاص بعض العبر والتركيز على المبادئ العامة والأساسيات وانتقاء ما قد نجده ملائما ليناسب احتياجاتنا فقد يكون التعليم الفنى أو التدريب المهنى أو الاقتصادى المعرفى ــ على سبيل المثال ــ هو ما نحتاجه فى الوقت الحالى أكثر من ريادة الأعمال وبالتالى يمكن تطوير المناهج التعليمية وفقا لهذا التوجه مع الاعتناء بشكل رئيسى بالتطبيق العملى للمعارف والمهارات التى يكتسبها الطلاب للتخلص من أسلوب الحفظ والتلقين. وبشكل عام فإنه من الضرورى أن نكون أكثر انفتاحا على تجارب مختلف دول العالم وعلى الأخص الدول النامية التى تواجه تحديات وظروفا مشابهه لما نواجهه فضلا عن ضرورة الاعتماد على دراسات التقييم الميدانية التى تلازم تنفيذ المشروعات للوقوف على جدواها ومدى تحقيقها للأهداف المرجوة منها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved