5 يونيو 1967.. أول وآخر انتصارات إسرائيل!

أكرم السيسى
أكرم السيسى

آخر تحديث: الجمعة 4 يونيو 2021 - 8:45 م بتوقيت القاهرة

يعتبر الخامس من يونيو 1967 يوما فارقا فى تاريخ مصر والعالم العربى، كان يوما مشئوما بكل معانى الكلمة، صحى فيه الشعب المصرى من كابوس انهيار حُلم، بل أحلام بالتنمية وبالعدالة الاجتماعية، حلقت به فى السماء لمدة خمسة عشر عاما، من يوليو 1952 وحتى تاريخه، كما كانت أحلام التحرر من بقايا الاستعمار هدفا ساميا، ليس فى مصر وحدها، ولكن فى العالم أجمع؛ امتدت مساعدات مصر من حرب المليون شهيد فى الجزائر إلى العالم العربى كله، وإلى أفريقيا بأكملها، بداية من جنوبها ضد «الأبارتايد» بقيادة نيلسون مانديلا إلى كل الدول الأفريقية الأخرى، حتى وصلت إلى أمريكا اللاتينية فى كوبا بزعامة تشى جيفارا وفيدل كاسترو، وامتدت أيضا لآسيا فى حرب اليمن الشهيرة التى كانت أحد أسباب تداعيات 1967! 

كانت هزيمة 5 يونيو قاسية، وأول من ظُلِم فيها الجيش المصرى الذى نُسِبَت له الهزيمة، رغم أنه لم يخضها، وعلى النقيض نُسب لجيش إسرائيل نصرًا لا يستحقه! ولكن هذا اليوم كان أيضا كاشفا لنظام سياسى سيطر على مصر والعالم العربى كله، اعتمد على نهج «الحزب الواحد»، و«الفكر الواحد»، فألغى حرية التعبير، والتعددية الفكرية والحزبية، وأدان أى مُعارضة، فضلا عن أنه قسم العالم العربى إلى دول «تقدمية» وأخرى «رجعية»، فكان هذا فى صالح إسرائيل، مما أنهك كل الشعوب العربية فى صراعات أيديولوجية لا طائل منها!

ولكن بعد أيام معدودات، فى الأول من يوليو 1967، اندلعت حرب «الاستنزاف»؛ بدأت بمعركة «رأس العش»، وقعت أحداثها عندما تقدمت المدرعات الإسرائيلية، يساندها سلاح الجو، صوب «بور فؤاد» لاحتلالها، فتصدت لها قوة من الصاعقة المصرية ببسالة، وحققت نصرا كبيرا، رغم القدرات المحدودة فى ذلك الوقت؛ وخلال يومى 14 و15 يوليو، نفذت القوات الجوية المصرية طلعات هجومية جريئة ضد القوات الإسرائيلية فى سيناء، أحدثت فيها خسائر فادحة، وأدت إلى فرار جنود إسرائيليين من مواقعهم؛ وفى 20 سبتمبر، تمكنت المدفعية المصرية من تدمير عدد غير قليل من الدبابات الإسرائيلية، بالإضافة إلى 25 قتيلا و300 جريح منهم ضابطان برتبة كبيرة!

وفى 21 أكتوبر 1967، تمكنت زوارق البحرية المصرية من إغراق المدمرة إيلات بشمال شرق بورسعيد، وتُعد هذه خسارة فادحة للبحرية الإسرائيلية، كما كانت خسائرها كبيرة فى الأرواح، مما دفعها لاستئذان مصر بواسطة الأمم المتحدة للبحث عن الغرقى فى منطقة التدمير!

تصاعدت العمليات العسكرية التى أظهرت قدرات الجيش المصرى الحقيقية، فى أقل من ثلاثة أشهر بعد الهزيمة، واستمرت حرب الاستنزاف ثلاث سنوات؛ وفى 7 أغسطس 1970، بعد أن تكبَّد الجيش الإسرائيلى خسائر وهزائم متعددة بمشاركة كل الأسلحة المصرية: الجوية والبحرية والبرية والدفاعية...، انتهت المواجهات بقبول الطرفين لمبادرة روجرز الأمريكية لوقف إطلاق النار فى 5 يونيو 1970 لمدة 90 يوما، وأن يدخل الطرفان فى مفاوضات لتنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 242 الداعى لعودة الجيش الإسرائيلى إلى حدود ما قبل 5 يونيو 1967.

سادت بعد الهدنة حالة «اللا حرب واللا سلم»، لم تنجح فيها المساعى السياسية، نظرا لتعنت إسرائيل، مما أدى ــ بعد ثلاث سنوات ــ إلى هجوم الجيش المصرى والجيش السورى على القوات الإسرائيلية المحتلة لسيناء ولهضبة الجولان، وإلى نشوب حرب 6 أكتوبر 1973، أثبت فيها الجندى المصرى قدراته العالية، وألحقت بالجيش الإسرائيلى أكبر هزيمة فى تاريخه؛ عبَر فيها الجيش المصرى قناة السويس ــ أكبر مانع مائى فى العالم ــ وحطم أكبر خط دفاعى «بارليف»، وكانت سببا فى تحرير سيناء، مع العلم بأن هزيمة 5 يونيو كانت فى ستة أيام، بينما كان نصر أكتوبر فى ست ساعات!

من هنا، ولّى عهد الهزائم، وبدأ عهد الانتصارات المصرية والعربية، وتوالت من بعده هزائم الجيش الإسرائيلى، وانكشفت انتصاراته السابقة الزائفة؛ لقد كان فى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى ست حروب، وعدة انتفاضات، كان آخرها انتفاضة «القدس» بحى الشيخ جراح، وفى كل هذه الصراعات، كانت المقاومة الفلسطينية تقدم تضحيات كبيرة، ولكنها كانت تنتزع مكاسب معتبرة من المحتل.

*** 

بدأت الحروب بنكبة 1948، حققت فيها الجيوش العربية ــ فى البداية ــ انتصارات كبيرة على المليشيات الصهيونية، استطاع الجيش الأردنى الحفاظ على القدس والضفة الغربية كاملة، وكانت خسائر الإسرائيليين ضخمة، واعترف رئيس الوزراء الإسرائيلى، ومؤسس إسرائيل ديفيد بن جوريون عام 1948، أمام الكنيست: «لقد خسرنا فى معركة باب الواد وحدها أمام الجيش الأردنى ضعفا قتلانا فى الحرب كاملة»!

وعليه، تدخَّل مجلس الأمن، وفرَض وقفا لإطلاق النار (10 يونيو 1948)، تضمن حظر تزويد كل أطراف الصراع بالأسلحة، ومحاولة التوصل لتسوية سلمية، ولكن إسرائيل اخترقت الهدنة؛ سارعت بتعويض خسائرها للتوسع فى الأراضى التى احتلتها، واستؤنفت المعارك بعد أن أصبح للجيش الإسرائيلى اليد العليا، فاتخذت المعارك مسارا مختلفا، واستطاعت ــ بالخيانة بعدم الالتزام بتعهداتها وبتحالف الدول الكبرى معها ــ فَرْض سيطرتها على مساحات واسعة من أراضى فلسطين التاريخية، وانتهت المعارك فى 21 يوليو 1948 بنصر زائف لإسرائيل!

وفى 1956، تقوم بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بالعدوان الثلاثى ضد مصر، إثر تأميم قناة السويس، وينسحب الجيش المصرى لتفادى المناورة العسكرية من الدول الثلاث لمحاصرته فى سيناء، ولكن حققت مصر نصرا سياسيا، أعاد لها كل ما احتله العدوان الثلاثى. 

وبعد حروب 1948، و1956، و1967، والاستنزاف، وأكتوبر 1973، تشن إسرائيل حربها السادسة؛ تغزو لبنان (1982ــ1985)، وتحول أراضيه إلى ساحة قتال بينها وبين منظمة التحرير الفلسطينية وسوريا؛ ومع نهايات الثمانينيات، تبدأ مقاومة القوات الوطنية اللبنانية، وتُظهر مقاومة حزب الله وجودا فاعلا وقويا، وتقوم بعمليات موجعة ضد الجيش الإسرائيلى، ويستمر الصراع فى جنوب لبنان بين المقاومة اللبنانية والشعب الفلسطينى من جهة، وقوى إسرائيل وحلفائها من جهة أخرى ثمانية عشر عاما، بدأ كمحاولة من إسرائيل لطرد قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، ولكنه انتهى بانسحاب الجيش الإسرائيلى فى مايو من لبنان 2000! 

وفى 8 ديسمبر 1987، تندلع الانتفاضة الفلسطينية الأولى: «انتفاضة الحجارة»، بدأت فى قطاع غزة، ثم انتقلت إلى كل مدن وقرى ومخيّمات فلسطين، هدأت الانتفاضة فى 1991، وانتهت بتوقيع اتفاقية أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير عام 1993، وقد اعتبر هذا نصرا للشعب الفلسطينى، لأنه أول اعتراف رسمى بهم من إسرائيل.

وفى 28 سبتمبر 2000، اندلعت الانتفاضة الثانية: «انتفاضة الأقصى»، كان سببها دخول رئيس الوزراء الإسرائيلى أرئيل شارون إلى باحة المسجد الأقصى، مما دفع جموع المصلين التصدى له، فكانت نتائجه اندلاع أعمال العنف فى هذه الانتفاضة، أدت ــ على الجانب العسكري ــ إلى الانسحاب الإسرائيلى من قطاع غزة، وتَمَكُن فصائل المقاومة الفلسطينية من إنتاج عدة أنواع من الصواريخ (قسّام، وقدس 4، وصمود، وأقصى 103، وناصر)!

وعلى الجانب الإعلامى، كان مقتل الطفل محمد الدرة، وهو يحتمى بأحضان والده، وكذلك بناء جدار الفصل العنصرى الإسرائيلى فضيحة عالمية، كشفا عن وحشية جيش «الحرب» لإسرائيل، وسيطرة فكر «الجيتو» على العقلية الإسرائيلية، واستحالة التعايش مع الآخر، وقد اعتبر هذا نصرا عالميا للقضية الفلسطينية، لأنه فضح طبيعة الاحتلال المتوحشة وعنصريته التى أكدها وزير الخارجية الفرنسى مؤخرا! 

***

ومن المفارقات، أن الانتفاضة الأولى قادت إلى اتفاقات «أوسلو» للسلام، وانتهت بتوقيع اتفاق المبادئ، أما الانتفاضة الثانية، قادت إلى دفن عملية السلام، فلم يعد الشعب الفلسطينى يتحدث عن «أوسلو»، وعاد الحديث عن قرار 242 الذى يطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضى المحتلة فى 1967، وقد لوحظ حدة الخطاب الرسمى الفلسطينى الذى برز فى تصريحات الرئيس الراحل ياسر عرفات، فكان يدعو لمواصلة الكفاح المسلح، وتَحمُّل التضحيات لنيل الأهداف المشروعة للشعب الفلسطيني!

هذه الحروب الست، ومرورا بالانتفاضات المتكررة، وصولا لانتفاضة «القدس»، هى بعض من كثير، تراكمت على مر السنين، استطاعت تحطيم شعارات أصيلة فى بناء إسرائيل، وأشهرها: «الجيش الذى لا يُقهر»، فضلا عن سقوط نظرية «الأمن المبنى على القوة»، فكلاهما أوْضَحَا عدم فاعلية أربعة أنظمة دفاعية (القبة الحديدية، ومقلاع داوود، وأرو، وباتريوت) فى صد صاروخ سورى بالقرب من مفاعل ديمونة، وصواريخ انتفاضة «القدس» التى أجبرت الإسرائيليين والإسرائيليات على النزول إلى الملاجئ، وأدت إلى إصابة الآلاف من كل الشرائح (الأطفال والجنود والطلبة والبالغين والبالغات وكبار السن) بأزمات نفسية استدعتهم اللجوء إلى مكاتب الرعاية الاجتماعية طلبا للمساعدة النفسية!

والجدير بالذكر أن انتفاضة «القدس» كسبت تعاطفا عالميا، وغيرت توجهات الرأى من أكبر الداعمين لإسرائيل؛ أجرت صحيفة «نيويورك تايمز» ــ أكبر داعم لإسرائيل ــ تغطية نادرة بعنوان «كانوا مجرد أطفال»، نشرت فيها صور وأسماء الأطفال الفلسطينيين الـ67 الذين قتلوا فى القصف الإسرئيلى، وقصة كل واحد منهم؛ وكذلك، فعلت نفس الشيء صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية، على صفحتها الأولى، وكتبت فوق الصور: «هذا ثمن الحرب»، وهذا يشير لحدوث انقسام فى المجتمع الإسرائيلى ذاته!

هكذا يبدو لنا جليا، تصاعد منحنى الهزائم الإسرائيلية، بينما نرى تصاعد منحنى الانتصارات الفلسطينية والعربية بشكل عام! فهل يتعظ من تسارعوا بالتطبيع مع إسرائيل للاحتماء بها باعتبارها قوة لا تقهر؟!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved