حرب ترامب على إيران.. انتصار عسكرى وهزيمة استراتيجية
محمد المنشاوي
آخر تحديث:
الخميس 4 يونيو 2026 - 6:50 م
بتوقيت القاهرة
فى أول بيان علنى له حول الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتى امتدت من 28 فبراير حتى 7 أبريل، حدد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أربعة أهداف عسكرية محددة، قال البيت الأبيض إنها ستحدد نجاح الحملة على إيران، وذلك على النحو التالى:
الأول والأكثر إلحاحًا كان تدمير البرنامج النووى الإيرانى. كان ترامب ومسئولو إدارته قد أوضحوا أن إيران المسلحة نوويًا هى الخط الأحمر الأساسى لهم - خط لم يكونوا مستعدين لتركه للدبلوماسية بعد انهيار الاتفاق النووى لعام 2015 بانسحاب ترامب منه، وفشل المفاوضات التى خلفته فى 2025. وقد بدأت الحرب، كما صرح البيت الأبيض، «بعد أن تجاهلت إيران التحذيرات بعدم إعادة بناء برنامجها النووى بعد ضربات 2025».
الهدف الثانى كان تدمير ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية والبنية التحتية المستخدمة لإنتاجها. وقد حدد المسئولون الأمريكيون باستمرار قدرة إيران على الصواريخ بعيدة المدى، وهو ما قد يُستغل ويُستخدم كوسيلة لأى سلاح نووى مستقبلى، وكونه مصدرًا لتهديد القوات الأمريكية وحلفائها فى المنطقة.
الهدف الثالث كان القضاء على القدرات البحرية الإيرانية فى الخليج العربى، لا سيما القوارب السريعة وبطاريات الصواريخ المضادة للسفن التى كانت إيران تضعها منذ زمن طويل كأداة محتملة لإغلاق مضيق هرمز، الذى يمر عبره حوالى 20% من النفط والغاز فى العالم.
الهدف الرابع كان إنهاء الدعم المالى واللوجستى الإيرانى للجماعات المسلحة الوكيلة - حزب الله، وحركة الحوثى فى اليمن، والميليشيات الشيعية فى العراق، وما تبقى من حماس، كما تراها واشنطن. وكان هذا هدفًا معلنًا من أمريكا وإسرائيل طوال حرب غزة. وتكرر واشنطن أنه على الرغم من تدهور «محور المقاومة» بشكل كبير خلال عامى 2024 و2025، فإن العلاقات لم تنقطع ما دامت طهران قادرة على إعادة تشكيل المحور وتمويله وتسليحه.
وبعيدًا عن هذه الأهداف العسكرية الأربعة، وضع ترامب هدفًا خامسًا وأكثر اتساعًا بكثير: تغيير النظام. وفى 28 فبراير، أثناء شن الموجة الأولى من الضربات، خاطب ترامب الشعب الإيرانى مباشرة، وقال: «يجب على الشعب الإيرانى أن يتولى حكم بلاده. ستكون لك لتأخذها. ربما ستكون هذه فرصتك الوحيدة لأجيال». وسواء كان ذلك يمثل سياسة جادة أو تصعيدًا خطابيًا، فقد حدد مدى اتساع طموحات ترامب، ومدى تجاوزها للإمكانية الواقعية.
وخلال أيام الحرب الـ39، خرجت تقديرات أمريكية تشير إلى أن أهداف ترامب المعلنة قد تغيرت بشكل ملحوظ فى الأسابيع الأولى من الحرب. ووثقت خدمة أبحاث الكونجرس، وهى الجهة البحثية التابعة للكونجرس، فى تقييم بتاريخ مارس 2026، نمطًا من الأسباب المتغيرة: «لقد اختلفت الأهداف المعلنة والجداول الزمنية المتوقعة، بما فى ذلك الإطاحة بحكومة إيران، وإضعاف قدراتها العسكرية والأمنية والنووية ونفوذها الإقليمى، بالإضافة إلى دعم المصالح الإسرائيلية». وأصبحت سيولة الأهداف واحدة من أكثر السمات السياسية أهمية للحرب.
* • •
بعد الإعلان رسميًا عن بدء الهدنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة أخرى، فى السابع من أبريل الماضى، غرّد حساب البيت الأبيض الرسمى على منصة «إكس» ببيان أظهر جزءًا من حديث سابق للرئيس دونالد ترامب، يتباهى فيه بانتصار بلاده على طهران.
وعدّد الرئيس الأمريكى ما اعتبره إنجازات عسكرية غير مسبوقة، منها تدمير الأسطول البحرى الإيرانى، وتدمير بنية التصنيع العسكرى، والقضاء على طموحات إيران النووية.
وفى الوقت ذاته، أكدت إيران انتصارها العسكرى. وقالت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، فى بيان، إن وقف إطلاق النار جاء بعد «هزيمة» القوات الأمريكية والإسرائيلية، واضطرارهما إلى قبول خطة إيران ذات النقاط العشر أساسًا لوقف إطلاق النار ولمسار التفاوض.
الآن، ومع استمرار العملية التفاوضية، فإن ترامب يشعر بالضغط السياسى ويبدو يائسًا من إيجاد مخرج، وقد تخلّى عن جميع الأهداف التى وضعها للحرب: فالنظام لا يزال فى السلطة، ولم يوافق على أى حدود لبرامج تصنيع الأسلحة، ولم يوافق على أى حدود فى دعمه للوكلاء الإقليميين.
وفى حديث مع كاتب هذا المقال، قال مارك كيميت مساعد وزير الدفاع الأمريكى الأسبق إن «الرئيس ترامب حصل على كل الأهداف العسكرية التى حددها للجيش الأمريكى قبل بدء الهجمات على إيران فى ذلك الوقت، وهذا لا ينفى أن الأهداف الإستراتيجية الأمريكية لم تتحقق». واعتبر عدد من الخبراء أن الولايات المتحدة لم تحقق شيئًا من 39 يومًا من الحرب ضد إيران. وبدلا من ذلك، أهدرت الولايات المتحدة ما لا يقل عن 60 مليار دولار، وقتلت آلاف المدنيين الإيرانيين الأبرياء، وتسببت فى مقتل ما لا يقل عن 13 من أفراد الجيش الأمريكى، إضافة إلى إصابة أكثر من 200 آخرين.
وحتى كتابة هذا المقال، لا يزال هناك الكثير من الأمور الغائبة وغير المعروفة حول اتفاق وقف إطلاق النار، باستثناء ما تم نشره، وهو ما يثير قلق الكثير من القادة الجمهوريين المؤيدين تقليديًا للرئيس ترامب.
ومن أهم الجوانب المثيرة لقلق الجمهوريين أنه لا توجد معلومات مؤكدة عما قد يحدث ليورانيوم إيران، التى تمتلك نحو 450 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بدرجة 60%.
من ناحية أخرى، وبينما يكرر البيت الأبيض أن وقف إطلاق النار يتطلب إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل دون «أى قيود»، يشير المسئولون الإيرانيون إلى أن الاتفاقية تمنح طهران السيطرة على المضيق.
ويبقى أن المكسب الرئيسى لواشنطن هو تمكنها من إضعاف إيران عسكريًا، ولكن بما أنها كانت ضعيفة بالفعل قبل بدء الحرب، فهذا ليس بالأهمية نفسها التى تدعيها إدارة ترامب. وفى الوقت ذاته، فإن الخسارة الرئيسية التى لحقت بواشنطن تتمثل فى أن إيران أوضحت فعلًا وقولًا أنها تستطيع السيطرة على مضيق هرمز، وبما أن ذلك لم يكن واضحًا قبل بدء الحرب، فهو يمثل انتكاسة حقيقية لمن بدأها. وربما اكتشفت إيران عنصر قوتها الأهم.