عودة إلى لقاء فى طنجة المغربية مع المفكر الفرنسى ادجار موران (١ من ٢)
إبراهيم العريس
آخر تحديث:
الخميس 4 يونيو 2026 - 6:50 م
بتوقيت القاهرة
فى الفترة التى كان فيها كاتب هذه السطور يُعد كتابًا جديدًا له، عنوانه «صورتهم فى الذاكرة»، للصدور ويضم مجموعة بورتريهات كُتبت فى مناسبات مختلفة، لشخصيات ارتبطت معظمها بصداقات فكرية، غيّب الموت عن عمر يناهز الخامسة بعد المئة المفكر الفرنسى إدجار موران، الذى التقيت به فى طنجة المغربية قبل سنوات، خلال ترؤسه وعضويتى لجنة التحكيم فى دورة عام ٢٠١٢ لمهرجان الفيلم الوطنى فى المدينة المغربية الساحرة. وهنا، وفى الأسبوع المقبل، ننشر نص البورتريه على حلقتين تحية عربية لوجه مضىء من وجوه الثقافة العالمية والفكر المعاصر.
كانت عشرة أيام شديدة الغنى والتنوع، ومفعمة بالتفاصيل والحوارات والمشاهدات، تلك التى أمضيتها فى صحبة إدجار موران فى مدينة طنجة المغربية فى أوائل العام 2012. كنا قد وصلنا إليها معًا على الطائرة نفسها من باريس، للمشاركة فى لجنة تحكيم المهرجان الوطنى للسينما المغربية، برفقة رفاق آخرين قدموا من فرنسا والمغرب.
وهناك، فى الطائرة، تمّ تعارفنا الأول بصورة مباشرة، بعد أن كنت قد عرفته منذ اللحظة الأولى من سحنته الواضحة وابتسامته الفريدة، تلك الابتسامة التى كانت لا تزال تظلل شبابه التسعينى العريق وتمنحه حضورًا آسرًا ومميزًا. وكان فى صحبته زوجته المغربية التى تصغره بثلاثة عقود، وكانا قد عادا لتوّهما من شهر العسل. أما مفاجأته الأولى فكانت حين رحت، بعد دقائق التعارف الأولى، أطرح عليه أسئلة حول بعض كتاباته التى كانت، فى الحقيقة، تشغل بالى منذ زمن بعيد، أى منذ تعرّفت إلى تلك الكتابات فى سبعينيات القرن العشرين، وشرعت يومها فى ترجمة عدد من نصوصها السوسيولوجية، وظللت أعود إليها بين الحين والآخر بوصفها مادة فكرية أثارت لدىّ اهتمامًا قديمًا ومتواصلًا.
وفى المطار، حين كنا فى انتظار سيارة تقلّنا إلى الفندق المخصص لنا فى المدينة، كانت المفاجأة الثانية: أخبرته بأننى نقلت إلى العربية كتابه الأشهر «النجوم». كان عالِمًا بالأمر من خلال دار النشر الفرنسية، لكنه لم يكن يتصور أن رفيقه فى السفر هو المترجم! ومنذ تلك اللحظة زال كلّ تكلّف بيننا إلى درجة أنه فى السيارة طلب منى ضاحكًا أن أتحدث إلى زوجته بالعربية التى تُتقنها: «أريد أن أسمع رنّة العربية على لسانها»، قال: والمدهش أنه سرعان ما راح يشاركنا العبارات العربية التى تبادلناها وقد فهمها وساهم بإجابات فرنسية. خلال الأيام العشرة التالية تحدثنا كثيرًا، عن إسرائيل والفلسطينيين، وبخاصة عن المعارك التى شنّها أنصار الصهيونية ضده فى فرنسا، عن البوذية التى يعتنقها تقريبًا، عن كمال جنبلاط الزعيم اللبنانى الراحل الذى يعرفه ويقدّره كثيرًا، عن الحياة الثقافية الفرنسية وعن المسألة الأرمنية، وبخاصة عن مدينة سالونيك التى كانت مسقط رأس أبيه أيام السلطنة العثمانية.. لكننا تحدثنا أكثر من أى شىء آخر عن السينما، وطبعًا عن نجوم السينما. وكان واضحًا أن تركيز موران على السينما فى أحاديثنا المتبادلة طوال أكثر من أسبوع له ثلاثة دوافع: أولها كونى ناقدًا سينمائيًا ومترجمًا لكتابه السينمائى الأجمل، وثانيها أننا كنا، تحت رئاسته، منهمكين فى مشاهدة عدد كبير من الأفلام السينمائية للحكم عليها، ثم ثالثًا وبخاصة - وهذا أمر لم يقله بوضوح أبدًا - أن عددًا من الصحفيين المغاربة المعارضين للمهرجان السينمائى كانوا منذ ما قبل افتتاح المهرجان بأيام قد تساءلوا عن جدوى «الإتيان بعالم اجتماع وفيلسوف لا علاقة له بالسينما لترؤس لجنة التحكيم». ومن الواضح أن هؤلاء كانوا يجهلون أن لموران بالسينما علاقات تتجاوز حتى اشتغاله على النجوم ونظام النجوم فى الكتاب الذى أشرت إليه. فهو كان قبله قد أصدر كتابًا غاية فى الأهمية عن «السينما والإنسان المتخيّل»، يعتبر منذ ذلك الحين من المراجع الأساسية فى نظرية الفيلم. كما أنه دأب طوال سنوات على نشر دراسات نقدية حول السينما وسوسيولوجيتها ونجومها.. وربما كتتويج لهذا كله، لا بد أيضًا من ذكر مشاركته المخرج التسجيلى الراحل جان روش فى تحقيق فيلمه الكبير «مدونات صيف» الذى عُرض فى إحدى دورات مهرجان «كان». كل هذا كان، كما يبدو، غير معروف للذين هاجموه - أو بالأحرى هاجموا مهرجان طنجة من خلاله.
أما هو فإنه، ومن دون الردّ المباشر عليهم، عبّر طوال أيام المهرجان عن اهتمام بالسينما لا بد أن يعترف أى منصف بأنه كان نادرًا من جانب عالم اجتماع وفيلسوف من طينته. وقد تجلى هذا بخاصة فى المحاضرة الافتتاحية للمهرجان، حين استعرض موران طوال ما يقرب من ساعة تاريخ الفن السابع وتياراته ونظرياته النقدية، بسلاسة وحصافة جعلتا سينمائية فرنسية جالسة إلى جوارى تقول: «لو كانت لدىّ آلة تسجيل لخرجت من هذه المحاضرة المرتجلة بكتاب عميق!».
مهما يكن، فإن الساعات الأكثر غنى خلال تلك الرفقة كانت مخصصة، تقريبًا، للحديث عن النجوم ونظامهم.. وذلك بالتحديد لأن عددًا ممن شاركونا الجلسات سألوا موران لماذا لم يُحدث تطويرًا وتجديدًا فى كتابه منذ صدور طبعته الأخيرة فى عام 1972. وموران حين سمع هذا السؤال التفت إلىّ وابتسم قائلًا: «من يقرأ الكتاب سيكون عنده الجواب بالتأكيد!»، ومن الواضح أن موران كان يشير فى هذا إلى أن جوهر الكتاب نفسه يفسّر كيف أن عقد الستينات كان آخر عقود زمن النجوم بالمعنى الذى خلقته هوليوود منذ أواسط سنوات العشرين من القرن الماضى، حين اكتشفت ارتباط مفاهيم مثل «الحلم الأمريكى» و«النهايات السعيدة» و«لعبة التماهى بين الجمهور ونجومه» بوصفها الأساس فى تلك الحالة الاستثنائية التى خُلقت فى عالم السينما جاعلة من النجوم أنصاف آلهة، وهو بالتحديد موضوع الكتاب. «اليوم»، قال موران، «لم يعد نجوم السينما ما كانوا عليه. وليس فقط لأن نجوم الرياضة والتليفزيون وعارضات الأزياء وسيدات المجتمع صاروا جميعهم نجومًا تضاهى آلهة السينما والغناء، بل كذلك لأننا، إذا أخذنا بقول آندى وارهول، سنجد أن التلفزة تحوّل كل فرد فى أيامنا نجمًا ولو لربع ساعة من حياته». وأردف قائلًا: «إن السينما نفسها تغيّرت كما تغيّر جذريًا مفهوم البطولة، وبالتالى النجومية».
كان ما يقوله موران هنا واضحًا ونهائيًا و- طبعًا - مبررًا لاعتبار كتابه فى طبعته الأخيرة مسك الختام فى هذا الموضوع الذى كان اشتغل عليه فى التزامن مع اشتغال رولان بارت على «الأساطير» وجان بودريار على تفاصيل الحياة اليومية، وكل هذا كان خلال النصف الثانى من خمسينات القرن العشرين. ومع هذا، ما إن انتهى موران من توضيح فكرته حتى ابتسمت بنوع من الاعتذار، وقلت له: «لكننى يا صديقى سمحت لنفسى بأن أضيف إلى الكتاب». فنظر إلىّ مندهشًا فى تساؤل واضح، لأسرع بالاستطراد: «لا تقلق.. فقط أضفت بضعة فصول تُحاكى فصولك عن مارلين وجيمس دين وآفا جاردنر فى آخر الكتاب، وفحواها الحديث عن مصائر عدد من أبرز نجوم السينما العالمية والعربية أيضًا، وفى سياق أسلوبك نفسه. فابتسم موران هنا، وقال: «أجل.. يخيّل إلىّ أن هذه هى الطريقة المثلى للإضافة إلى هذا الكتاب». ثم التفت ناحية زوجته، قائلًا لى: «وأرجو يا صديقى أن تبعث إلىّ نسخة من الكتاب، الذى صار كتابنا معًا الآن، كى تقرأها زوجتى لى بالفرنسية». وهذا ما سوف أفعله بالتأكيد.