وَلَيَالٍ عَشْرٍ

بشير عبد الفتاح
بشير عبد الفتاح

آخر تحديث: الإثنين 4 يوليه 2022 - 7:50 م بتوقيت القاهرة

استهل الحق تبارك وتعالى، سورة الفجر، بالقسم الإلهى: «وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ». وقد اختلف أهل العلم بشأن تعيين تلك الليالى العشر. فقيل: هى العشر الأواخر من شهر رمضان المعظم، كما فى رواية لحبر الأمة، ابن عباس. وقيل أيضا: هى العشر الأُول من شهر الله المحرم، مثلما ورد فى رواية أخرى عنه. وقيل كذلك: هى العشر الأُول من شهر ذى الحجة، وذلك هو القول الراجح، لدى جمهور العلماء والمفسرين. فلقد استشهد الإمام القرطبى بحديث جابر،حول إشارة النبى، صلى الله عليه وسلم، إلى ذلك. وفى تفسيره لقوله عز وجل: «وَلَيَالٍ عَشْرٍ»، أورد، الإمام الطبرى، أن المقصود بها، الليالى العشر الأُول من شهر ذى الحجة، لإجماع الحُجة من أهل التأويل على هذا الأمر. أما، ابن كثير، فذهب فى تفسيره لهذه الآية، إلى أن المراد بالليالى العشر فيها، عشر ذى الحجة. كما قاله ابن عباس، وابن الزبير، ومُجاهد، وغير واحدٍ من السلف والخلف.
فى غير موضع قرآنى كريم، تمت الإشارة إلى فضل العشرالأُول من شهر ذى الحجة. فعلاوة على مفتتح سورة الفجر، يقول، عز من قائل، فى الآية 28 من سورة الحج: «لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَهِ فِى أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ». وتسمية المولى عز وجل لعشر ذى الحجة، بالأيام المعلومات، إنما يدل على عظيم فضلها وشريف منزلتها. كذلك، أبرزت السنة النبوية المطهرة، فضل تلك العشر. ففيما رواه ابن عباس، وأخرجه البخارى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله عز وجل من هذه الأيام». يعنى أيام العشر. قالوا: يا رسول الله: «ولا الجهاد فى سبيل الله؟!» قال: ولا الجهاد فى سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشىء». وعن أبى هريرة رضى الله عنه، أن النبى صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذى الحجة، يعدل صيام كل يوم منها صيام سنة، وقيام كل ليلة منها قيام ليلة القدر». رواه الترمذى وابن ماجه فى سننهما. وفى حديث آخر، يقول أنس: «كان يُقال فى أيام العشر، كل يوم منها بألف يوم، ويوم عَرفة بعشرة آلاف يوم». وقال الأوزاعى، وروى البيهقى: «بلغنى أن العمل فى يوم منها كقدر غزوة فى سبيل الله، يُصام نهارها ويُحرس ليلها، إلا أن يختصَ امرؤ بشهادة».
عزى بعض أهل العلم، أفضلية عشر ذى الحجة على سائر أيام الدنيا، إلى اجتماع أمهات الأعمال الصالحة والعبادات فيها، كما لم تجتمع فى غيرها، وهو شرف لها لا يضاهيها فيه سواها، حتى غدت بحق «أيام الكمال». حيث تقام فيها الصلوات، كما فى غيرها. وفيها تنفق الصدقات لمن حال على ماله الحول. وفيها الصوم لمن أراد التطوع. وفيها النحر للقادرين. وفيها الحج إلى البيت الحرام، لمن استطاع إليه سبيلا، ولا يكون فى غيرها. ويلتقى فيها كذلك الذكر، والتلبية، والدعاء.
وتكمن عظمة الأيام الثمانى الأُول من ذى الحجة، فى اتصالها المباشر بالحج، وانتهائها عند يوم عرفة، ثم يوم العيد والنحر. وعلى الرغم من تضعيف رهط من المحققين لبعض الأحاديث المتعلقة بصيام هذه الثمانى على وجه الخصوص، إلا أن أهل العلم اتفقوا على استحباب صومها. فلقد ورد فى السنة النبوية أن المصطفى، صلى الله عليه وسلم، قد حافظ على صيام تسع ذى الحجة، كما جاء فى حديث حفصة، رضى الله عنها، إذ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ تِسْعَ ذِى الْحِجَةِ، وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَثَلَاثَةَ أَيَامٍ مِنْ كُلِ شَهْرٍ». وفى الحديث الذى رواه الطبرانى، بإسناد جيد. ورد فى فضل الذكر، خلال العشر الأوائل من ذى الحجة، أن رسول صلى الله عليه وسلم كان يكثر من قول: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر».
يوم التاسع من ذى الحجة، هو اليوم الذى يقفُ فيه الحجيج بصعيد عرفات فى مشهد مهيب، عظيم، تقشعر له الأبدان. وصوم هذا اليوم لغير الحاج، سُنَة مؤكدة، وهو يكفِّر سنة مضت وأخرى مقبلة، ويُسن فيه للمؤمن التماس كل دروب البر. وقد روى الإمام مسلم، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «ثَلَاثٌ مِن كُلِ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ، فَهذا صِيَامُ الدَهْرِ كُلِّهِ، صِيَامُ يَومِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ علَى اللهِ أَنْ يُكَفِرَ السَّنَةَ الَتى قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَتى بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَومِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ علَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَتى قَبْلَهُ». وحينما سأل النبى صلى الله عليه وسلم،عن أفضل الدعاءِ، قال: «هو دعاءُ يوم عرفة»، وقال: «خيرُ الدُعاءِ دعاءُ يومِ عرفةَ، وخيرُ ما قلتُ أَنا والنَبيُونَ من قبلى: لا إلَهَ إلَا اللَهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ ولَهُ الحمدُ وَهوَ على كلِ شَىءٍ قديرٌ». ورغم أن بعض المحققين يرجعون الحديث إلى سنن الترمذى، إلا أن نفرا آخر منهم يضعف إسناده، مع تأكيد صحة محتواه.
أما يوم عيد النحر، فيوافق العاشر من ذى الحجة. وهو أعظم حرمة عند الله؛ لأن فيه الحج الأكبر. وهو منحة ربانية للمسلم، غير الحاج، كى يظفر بأجر الأضحية، وصلة الأرحام، وإدخال السرور على المسلمين. والأضحية، هى إحدى الشعائر الإسلامية التى يتقرب بها المسلم إلى الله عز وجل. لقوله تعالى، فى الآية 32 من سورة الحج: «ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَهِ فَإِنَهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ» . ويستدل على مشروعية الأضحية فى القرآن الكريم بقوله تعالى، فى سورة الكوثر: «إِنَا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِ لِرَبِكَ وَانْحَر». وتعد الأضحية سنة مؤكدة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، وهى مشروعة بالكتاب والسنة القولية والفعلية والإجماع. ويضحى المسلم، اقتداء بخليل الله إبراهيم، وإحياء لسنة نبينا، خاتم المرسلين. إذ ثبت فى الصحيحين، أن أنس بن مالك، رضى الله عنه، قال: «ضَحَّى النبىُّ، صَلَى اللهُ عليه وسلَمَ، بكَبْشينِ أمْلَحَيْنِ أقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُما بيَدِهِ، وسَمَى وكَبَّرَ، ووَضَعَ رِجْلَهُ علَى صِفَاحِهِمَا». ومن الصحيح ما روى الترمذى وابن ماجه، عن عائشة رضى الله عنها، أنها قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَحْرِعمَلا أحَبَ إلى اللهِ، عزَ وجلَ، مِنْ هراقةِ دَمٍ، وإنَهُ ليَأْتِى يَوْمَ القِيامَةِ بِقُرُونِها وأظْلافِها وأشْعارِها، وإنَ الدَمَ لَيَقَعُ مِن اللهِ،عزَ وجلَ، بِمَكانٍ قَبْلَ أنْ يَقَعَ على الأرْضِ، فَطِيبُوا بِها نَفْسا».وقال المعصوم صلى الله عليه وسلم،» ضحوا فإنها سنة أبيكم إبراهيم عليه السلام».
وعن ترجمان القرآن، ابن عباس، رضى الله عنه، روى الدارقطنى، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أُنفقت الورق فى شىء أفضل من نحيرة فى يوم عيد». وأخرج الحاكم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لابنته فاطمة: «قومى إلى أضحيتك فاشهديها، فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عملتِه، وقولى: إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين». فكم هوعظيم ثواب الأضحية؛ إذ يغفر الله كل ذنب لصاحبها عند أول قطرة من دمها. استشهادا بما رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، عن زيد بن أرقم، أنه قال: قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا رَسُولَ اللَهِ، مَا هَذِهِ الْأَضَاحِى؟ قَالَ: سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ، قَالُوا: مَا لَنَا مِنْهَا؟! قَالَ: بِكُلِ شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَهِ، فَالصُوفُ؟ قَالَ: بِكُلِ شَعْرَةٍ مِنَ الصُوفِ حَسَنَةٌ». فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، فى تلك الليالى العشر وغيرها. والحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved