من يتذكر «كاداريه»؟!

إيهاب الملاح
إيهاب الملاح

آخر تحديث: السبت 4 يوليه 2026 - 7:50 م بتوقيت القاهرة

(1)
ظللتُ سنوات طويلة أتهيب الاقتراب من أعمال الروائى الألبانى الكبير الراحل إسماعيل كاداريه (1936-2024)، أحد سادات الرواية فى القرن العشرين، وصاحب الأعمال الروائية المذهلة التى تُرجمت إلى أغلب لغات الدنيا، ومن ضمنها العربية.
بالتأكيد هو أحد كبار كتّاب الرواية الذين قدموا للأدب العالمى، وفنِّ الرواية، أعمالًا تضعه فى مصاف أهم كتّابها ومبدعيها طيلة القرن المنصرم.
ظللتُ على هذه الحال حتى قرأت قصةً قصيرةً له بعنوان «الإمبراطور العجوز»، نُشرت ترجمتها العربية فى مجلة (العربى) الكويتية فى تسعينيات القرن الماضى. كانت قصة «مذهلة» فى كثافتها ومعناها ورمزيتها وشاعريتها، وكل شىء، رغم أنها لم تزد على صفحتين فقط!
اتخذت قرارى بالبحث فورًا عن أعماله المتاحة، فكان أول ما وقع منها تحت يدى روايته «من قتل دورنتين؟» (أو «من أعاد دورنتين؟» فى الطبعة التى أقتنيها). رواية صغيرة الحجم جدًا، لكنها لا تُنسى!
برحيله فى عام 2024 عن عمر ناهز 88 عامًا، انضم كاداريه إلى نادى العظماء ممن لم يحصلوا على جائزة “نوبل”، لكن أعمالهم وحضورهم حظيا بما هو أبقى من نوبل؛ «حبُّ القراء»، وهو الجائزة الأكبر والأثمن؛ مثله فى ذلك مثل العملاق الروسى ليو تولستوى، والفرنسى الغامض مارسيل بروست، واليونانى المذهل كازانتزاكيس، واللورد الأيرلندى جيمس جويس، والأرجنتينى البصير خورخى لويس بورخيس، وغيرهم.
وبذلك تكون الجائزة الأشهر عالميًا قد خسرت الظفر بأسمائهم، وبأن يكونوا ضمن قائمة الشرف التى تكتسب قيمتها من قيمة الفائزين بها، ومن سمعتهم العالية ومنجزهم الأدبى والإبداعى.

(2)
كاداريه أحد أبرز آباء الرواية المعاصرة، وعبر مشواره الإبداعى الذى امتد لما يقرب من ثلاثة أرباع القرن، قدم الروائى الألبانى للأدب الإنسانى مشروعًا روائيًا باذخًا اتسم بالجمال والعمق، والتناول الإنسانى الرهيف لمشكلات الشعوب والأمم التى عانت من وطأة الاستبداد والقمع، والأنظمة السياسية الشمولية، وما تفعله فى الطبيعة البشرية.
وقد أصر كاداريه، طيلة مشواره مع الكتابة، على أن يكون أدبه كله بلغته الأم “الألبانية”، وهى واحدة من لغات الأقلية فى العالم، إذ لا يزيد عدد المتحدثين بها على ثلاثة ملايين فقط! وعلى الرغم من لجوئه إلى فرنسا والعيش فيها، لم يتراجع عن خياره بالكتابة باللغة الألبانية، وقد قدم عبر رواياته وأعماله التى تُرجمت إلى أغلب لغات العالم الأدب الألبانى، والرواية الألبانية، بما يصح معه وصفه بأنه “أبو الأدب الألبانى الحديث” ومؤسسه الشرعى.
كانت بدايته الحقيقية فى سنة 1970، حينما فاجأ الوسط الأدبى الفرنسى بصدور روايته «جنرال الجيش الميت»، التى تدور حول قصة جنرال إيطالى يعود إلى ألبانيا بعد الحرب العالمية الثانية ليعثر على جثث جنوده الإيطاليين الذين قُتلوا هناك بهدف إعادتها لتُدفن فى إيطاليا.
استُقبلت الرواية استقبال الروائع، ودُعى مؤلفها إلى فرنسا، فقابله مثقفوها بالترحاب بوصفه صوتًا أصيلًا قويًّا من وراء الستار الحديدى. تُرجمت الرواية إلى أكثر من عشر لغات، واستُلهم منها فيلمان شهيران: أحدهما يحمل عنوان الرواية نفسه، ولعب دور البطولة فيه ميشيل بيكولى، والآخر فيلم «الحياة ولا شيء آخر» برتران تافارنييه.
ومنذ ذلك الحين، تُرجمت رواياته وأشعاره ومقالاته إلى الفرنسية والإنجليزية ولغاتٍ أخرى، وعُدَّ من كتّاب العالم البارزين، ورُشِّح مراتٍ عديدة لجائزة نوبل فى الأدب. وقام ناشروه الفرنسيون بطباعة أعماله الكاملة فى ستة مجلدات بالفرنسية، وبالألبانية الأصلية.

(3)
اختار إسماعيل كاداريه الأدب (وفن الرواية تحديدًا) طريقًا للمعرفة، ووسيلةً للتفكر والتأمل والتفلسف، وسبر أغوار الإنسان، ذلك الكائن العجيب والغريب والمجهول! هو بذلك أحد كبار المفكرين بالرواية، والمتوسلين بجمالياتها للمقاومة الإنسانية، ولكشف عوار الأنظمة الاستبدادية، وما تمارسه من جرائم فى سحق الروح الإنسانية، وهدر الكرامة الآدمية.
لم يكن أمام كاداريه سوى أن يحكى الحكايات، ويسرد الروايات، ويقص القصص، ويلتجئ إلى الميثولوجيا الألبانية القديمة، فيستعيدها ويستعيرها ويوظفها، مازجًا الشفاهى بالمدون، والمرجعى بالمتخيل، فى سبيكة إبداعية فريدة جعلته يتصدر المشهد الروائى الأوروبى، ويكون فى الطبقة الأولى الممتازة من كتّابها طيلة العقود السبعة الماضية.
كان صادقًا وأمينًا وهو يعبر عن رؤيته للكتابة؛ فالكتابة عنده ليست بالمهنة السعيدة أو التعيسة، هى بين هذا وذاك، هى تقريبًا حياة ثانية، أكتب بسهولة، ولكننى دائم التخوف من أننى قد لا أكون جيدًا، تحتاج إلى مزاج مستقر، أما السعادة والتعاسة فكلتاهما لا تناسبان الأدب؛ لأنك فى سعادتك تميل إلى الخفة والتفاهة، وفى تعاستك تتشوش رؤيتك، عليك أن تعيش أولًا، وتجرب الحياة، ثم لاحقًا تكتب عنها.
(من حوارٍ معه، نُشر ضمن حوارات «باريس ريفيو»، ترجمة أحمد شافعى).
تُرجمت روايات كاداريه، وأعماله الأدبية، إلى أكثر من 40 لغة حول العالم، ومن ضمنها العربية؛ من أبرزها:
«من قتل دورنتين؟»، و«طبول المطر»، و«الحصار» (وقد فاز بجائزة البوكر العالمية عام 2005 عن هذه الرواية)، و«جنرال الجيش الميت» (1963)، و«قصر الأحلام» (1981)، و«نيسان المقصوف» (ترجمها إلى العربية الشاعر وديع سعادة، وصدرت عام 1986)، و«قصة مدينة الحجر»، و«الجسر».. وغيرها من الأعمال الرائعة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved