تطورات العلاقات العراقية الأمريكية
رخا أحمد حسن
آخر تحديث:
الثلاثاء 4 أغسطس 2026 - 6:22 م
بتوقيت القاهرة
يسعى رئيس الحكومة العراقية الجديدة، رجل الأعمال على فالح الزيدى، إلى تعزيز العلاقات والمشاركة فى كافة القطاعات مع الولايات المتحدة الأمريكية، مع الحرص على الحفاظ على سياسة التوازن فى علاقاته الإقليمية والدولية، وبصفة خاصة مع إيران، لما لها من تأثير متعدد الجوانب فى الشئون الداخلية العراقية. وإزاء أهمية وحيوية ما تشهده العلاقات العراقية الأمريكية من تطورات حاليًا وفى المرحلة المقبلة، فقد اختار الزيدى أن يبدأ زياراته الخارجية بزيارة واشنطن على مدى نحو خمسة أيام، فى الفترة من 13 إلى 17 يوليو 2026، رغم ما أثاره ذلك من انتقادات إيرانية، استطاع الزيدى احتواءها بالإسراع بزيارة طهران.
والتقى الزيدى الرئيس الأمريكى فى 15 يوليو 2026، حيث أشاد ترامب بالزيدى، وقال: «إن علاقة واشنطن معه ستكون طويلة»، وأنه محارب جيد معجب بالولايات المتحدة الأمريكية، وأنه نجح فى وقت قصير فى إنجاز الكثير وإحداث تغيير، وأبدى إعجابه بعدم خضوعه لضغوط لتأجيل الزيارة وزيارة واشنطن أولًا، وقال: إذا احتاج العراق للحماية فستهب الولايات المتحدة لمساعدته، وأن دور إيران فى التنمر والهيمنة على المنطقة قد انتهى، وبوجود قادة جدد مثل الزيدى ستتغير المنطقة، وأن الزيدى سيكون له دور يتجاوز حدود العراق. وقال الزيدى إن الوضع المالى للعراق فرض على حكومته العمل على تأسيس شراكة قوية مع الولايات المتحدة، مؤكدًا أن بغداد تريد الانتقال بالعلاقات الثنائية من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الفرص الاقتصادية والاستثمارية، وأن يكون 30 سبتمبر 2026، الذى يوافق انتهاء مهمة التحالف الدولى ضد داعش بقيادة أمريكية، بداية مرحلة جديدة من الشراكة مع الولايات المتحدة، وأنه يرغب فى أن يرى كبرى الشركات الأمريكية تنظر إلى الفرص المتاحة لتطوير البنية الأساسية فى العراق، وفى قطاع الطاقة، والصناعة، والتكنولوجيا، والاقتصاد الرقمى، حيث يمتلك العراق أكبر احتياطات مؤكدة من البترول فى العالم، وموارد طبيعية وفيرة، وقوة عاملة ذات كفاءة، وسوقًا محلية كبيرة. كما أكد الزيدى، خلال لقائه ترامب، أن حكومته لن تسمح لأى جهة بحمل السلاح خارج إطار الدولة بعد انتهاء مهمة قوات التحالف الدولى فى العراق، مؤكدًا أن السلطات العراقية تسلمت أسلحة من بعض الفصائل العراقية.
• • •
تركز واشنطن على أن ضمان استمرار الشراكة مع العراق مرتبط بمدى قدرة الحكومة العراقية على فرض احتكار الدولة للسلاح، وتعزيز سيادة القانون، وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة، وتحقيق الأمن والاستقرار. وتعمل بغداد على تحقيق ذلك بأقل الأضرار، بينما تريد واشنطن إنجاز الأمر بأسرع وقت. وترى الحكومة العراقية أن نزع سلاح الفصائل ملف داخلى تتعامل معه بحذر شديد، وترغب، بل وتفضل، حسمه من خلال الحوار الودى، بينما تطالب واشنطن بانتهاج صيغة أكثر تشددًا. والأمر بالغ الصعوبة والتعقيد، إزاء رفض الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران تسليم سلاحها، إذ ترى أنه يخدم أهدافًا أمريكية، ويُخشى أنه إذا استخدمت هذه الفصائل السلاح والعنف فلن يتحقق الأمن المستتب والاستقرار، ما يفسد سعى الحكومة الجديدة برئاسة الزيدى، والعمل الدءوب على إحداث طفرة فى تطوير البنية الأساسية والمرافق والاقتصاد العراقى بصفة عامة، عن طريق جذب الشركات الأمريكية الكبرى للاستثمار فى العراق.
وقد عقد الزيدى، باعتباره يتولى منصب وزير الدفاع العراقى إلى جانب رئاسته الحكومة، اجتماعًا مهمًا فى مقر البنتاجون مع وزير الحرب الأمريكى هيجسث، الذى حمل الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران مسئولية شن أكثر من 600 هجوم استهدفت مصالح أمريكية خلال السنوات الماضية، وأكد وزير الحرب الأمريكى أن قوات الأمن العراقية وقوات البشمركة (الكردية) ستكونان مسئولتين عن قيادة العمليات ضد داعش بعد انسحاب قوات التحالف الدولى. وتناولت المباحثات التعاون الأمنى، والاتفاق على استمرار تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز التنسيق فى مكافحة الإرهاب، وتوسيع التعاون فى مجالات التدريب، والدعم الفنى والتكنولوجى والرقمى، وتطوير قدرات القوات العراقية. ووجه الزيدى، عقب الاجتماع، بتشكيل لجنة حكومية تتولى رسم إطار العلاقة الأمنية والعسكرية المقبلة مع الولايات المتحدة، بما ينسجم مع السيادة العراقية بعد انتهاء وجود قوات التحالف الدولى فى العراق.
وتم، خلال الزيارة، وفى حضور الزيدى، توقيع نحو 48 اتفاقية ومذكرة تفاهم تحقق شراكة اقتصادية استراتيجية مع الإدارة الأمريكية وكبرى الشركات والمؤسسات الدولية الأمريكية. وركزت هذه الاتفاقيات ومذكرات التفاهم على قطاعات الطاقة والبترول والكهرباء، بعقود ومذكرات تفاهم مع كبرى شركات الطاقة الأمريكية، ومشروعات البنية التحتية، وقطاع التكنولوجيا والاتصالات، وتفعيل التعاون الرقمى والشراكة التقنية والشبكات الإلكترونية، والقطاع المصرفى والمالى، والتنمية، وإعادة تأهيل سبعة بنوك عراقية بالتفاهم مع وزارة الخزانة الأمريكية والبنك المركزى العراقى، واتفاقية تطوير الزراعة، واتفاقيات فى مجالات التعليم والاعتماد المؤسسى، والاستثمار والتطوير العقارى، والصناعات الغذائية بمشاركة شركات ومؤسسات أمريكية دولية، واتفاقية تعاون بين مجلس الأعمال الأمريكى العراقى واتحاد غرف التجارة العراقية. وقد وقع وزير البترول العراقى اتفاقية مع نظيره السورى لمد خط أنابيب بترول من العراق إلى الموانئ السورية على البحر المتوسط، بالتعاون مع الشركات الأمريكية المختصة، ليخفف من اعتماد العراق فى تصدير إنتاجه من البترول بدرجة كبيرة عبر مضيق هرمز، الذى أصبح، بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ولجوء إيران إلى إغلاقه إذا لم تمر الملاحة عبره وفقًا لترتيباتها، عرضة للإغلاق أو وضع عراقيل كلما نشب صراع مع إيران. كما أجرى الزيدى مباحثات مع مسئولى كل من البنك الدولى وصندوق النقد الدولى، بشأن التعاون مع العراق فى مجالات الإصلاح الاقتصادى والمالى وتطوير البنية الأساسية.
• • •
وثمة اهتمام أمريكى بتوسيع تعاون شركات الطاقة الأمريكية (البترول والكهرباء) مع العراق، خاصة إحياء مشروع خط أنابيب كركوك فى العراق إلى ميناء بانياس فى سوريا. هذا، وقد صعدت الفصائل المسلحة المقربة من إيران هجومها على التوجهات الاقتصادية الجديدة للحكومة العراقية، وقالت إن الشركات الأمريكية تتحمل مسئولية الإخفاقات المزمنة فى قطاع الكهرباء فى العراق منذ عام 2003 حتى الآن، وتدعو الحكومة العراقية إلى طردها واستبدالها بشركات صينية موثوقة. وسبق أن طالبوا فى السنوات السابقة بإسناد مشروعات البنية التحتية والطاقة إلى شركات صينية بدلًا من الشركات الأمريكية والغربية. وهذا يوضح وجود تباين بشأن توجهات السياسة الخارجية والاقتصادية العراقية، بالتزامن مع مرحلة انتقالية قبيل انتهاء الوجود العسكرى للتحالف الدولى، وإعادة بلورة العلاقات بين بغداد وواشنطن، وسط تنافس متزايد على الاستثمارات والنفوذ فى العراق وما لديه من ثروات.
كما انتقدت إيران، على لسان مستشار المرشد الأعلى على أكبر ولايتى، زيارة الزيدى لواشنطن ومقابلة ترامب، الذى كان وراء اغتيال المرشد الأعلى السابق على خامنئى، وبعد أيام قليلة من تشييع جثمانه، وقال إن الزيارة وصمة عار كبيرة - على حد قوله - وأن الزيدى «قليل الخبرة». وقد حرص الزيدى على سرعة تلبية دعوة الرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان بزيارة إيران للتهدئة واحتواء الموقف، وإدراكه أن لإيران تأثيرًا كبيرًا على الشئون العراقية.
• • •
يلاحظ أن الخبراء الاقتصاديين والسياسيين العراقيين تناولوا بالتحليل زيارة الزيدى لواشنطن وما أسفرت عنه من اتفاقيات ومذكرات تفاهم، وذهبت آراؤهم إلى أن مذكرات التفاهم قد تمهد لتحول اقتصادى استراتيجى إذا تُرجمت إلى مشروعات فعلية. وحذر آخرون من أن العقبات الداخلية والإجراءات الدستورية العراقية قد تؤدى إلى أن يكون مصير معظم هذه الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، مثل سابقاتها لحكومات سابقة، مجرد حبر على ورق. ويرى آخرون أن مذكرات التفاهم مجرد تعبير عن نوايا للتعاون وليست عقودًا تنفيذية ملزمة، وأن تحويلها إلى مشروعات فعلية يحتاج إلى دراسات وإجراءات لاحقة تحتاج إلى وقت، وقد تواجه عراقيل تفرضها المنظومة السياسية العراقية، والتوازن بين العلاقات العراقية مع كل من طهران وواشنطن، أو من قبل شركات أمريكية ترفض التعامل بأساليب الرشاوى والعمولات، الأمر الذى سبق أن فتح المجال أمام شركات أخرى تقبل التعامل بهذا الأسلوب. كما أن البيئة الاستثمارية فى العراق ما تزال تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالأوضاع الأمنية، وضعف الأنظمة الإدارية والتشريعية، وهشاشة القطاع المصرفى. وقد أسهمت هذه العوامل فى تعطيل تنفيذ العديد من الاتفاقيات خلال السنوات الماضية، ولا تزال تمثل عائقًا أمام تحويل المذكرات والاتفاقيات إلى مشروعات واقعية. ويأمل البعض فى أن تؤدى إجراءات محاربة الفساد التى تقوم بها الحكومة الجديدة، إلى جانب السعى لحصر السلاح بيد الدولة، إلى نتائج إيجابية.
إن سعى الزيدى لنقل تجاربه الناجحة فى مجالات الاقتصاد والمال والأعمال إلى المجال العراقى العام، والمزج بين الاقتصاد والسياسة عن طريق انفتاح كبير على الشركات الأمريكية الكبرى لإعادة تأهيل البنية التحتية والمرافق العامة والاقتصاد، مرتبط بمدى قدرته على توحيد السلاح بيد الدولة دون إغضاب إيران، وتحقيق حد مقبول من الإصلاح السياسى والإدارى والتشريعى فى العراق.
مساعد وزير الخارجية الأسبق