مبنى ماسبيرو وشىء من الخوف عليه
أحمد فاضل يعقوب
آخر تحديث:
الثلاثاء 4 أغسطس 2026 - 6:15 م
بتوقيت القاهرة
سعدت بما أُعلن من توجيهات رئاسية حول مبنى ماسبيرو للإذاعة والتليفزيون، وذلك فى الاجتماع الذى عقده السيد رئيس الجمهورية مع السيد رئيس مجلس الوزراء والوزراء والمسئولين عن الإعلام، بتاريخ 26 يوليو 2026، والذى تضمن أهمية تطوير مبنى ماسبيرو من حيث البنية التحتية، وكذلك الحفاظ على تراثه الذى يملكه من شرائط ذات قيمة تاريخية كبرى، من خلال برنامج متطور لرقمنة هذا التراث المصرى المسجل؛ كأفلام سينمائية أو وثائقية، ومسرحيات، وغناء، وموسيقى، أو خطب لمسئولين وقيادات مصرية فى مراحل تاريخية مهمة من بناء مصر وكفاحها، أو حتى أحاديث وبرامج مسجلة لأدباء ورجال دين وشخصيات مصرية أثرت حياتنا السياسية والاجتماعية والأدبية، وهو تراث يُعد جزءًا من هويتنا الوطنية وقوتنا الناعمة.
وبالإضافة إلى ذلك، فعلى المستوى الشخصى، فإن مبنى ماسبيرو له فى قلبى مكانة خاصة وذكريات لا أنساها، بالنظر إلى أنه كان أول مكان عمل رسمى وحكومى لى بعد تخرجى فى الجامعة، فى مرحلة ما من القرن الماضى، وحصلت منه على أول مرتب حكومى حينما كنت أعمل محررًا ومترجمًا فى الإدارة المركزية للإذاعة المصرية، قبيل التحاقى بالسلك الدبلوماسى. وبالرغم من أننى قد سبق أن عملت لبعض الوقت فى مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، متزاملًا مع السيد ضياء رشوان، وزير الإعلام الحالى، وصديق وزميل الدراسة، ومن ثم حصلت على بعض المكافآت المالية، إلا أن مرتب ماسبيرو المستمر والشهرى كانت له أهمية خاصة.
ولذلك لا أتردد مطلقًا فى الاستجابة لدعوات بعض البرامج السياسية فى هذا المبنى العريق، كضيف؛ لكى أشارك فى التعقيب وتحليل بعض الموضوعات الدولية وعلاقات مصر الخارجية، وأشرف وأسعد بذلك دومًا، ولكن فى الوقت نفسه كنت أشعر، كلما دخلت مبنى ماسبيرو، بأسى، بل وخوف، على هذا المبنى، وما فيه من تراث، بالنظر إلى وضعه المتردى والمتدهور، وإليكم بعض التفاصيل الصادمة.
يبدأ الأمر بدعوة تليفونية من أحد معدى البرامج الأفاضل، وفى الوقت نفسه بنبرة اعتذار في بعض المراتعن عدم توافر سيارة مناسبة لتوصيل الضيف وعودته، كما تفعل معظم القنوات الخاصة؛ لأن ما يملكه التليفزيون هو عدد قليل جدًا من السيارات المتهالكة والقابلة للأعطال، ، وعلى الضيف أن يصل بطريقته الخاصة.
وحينما تدخل بسيارتك من الباب الرئيسى، تفاجأ بأنك تسير فى ممر ترابى ، رغم أنه على كورنيش النيل الخالد بسبب عمليات البناء في مشروع مباني ماسبيرو المجاورة للمبني ، وعليك أن تنتبه؛ لأنه يوجد فى منتصف هذا الممر بالوعة كبيرة مغطاة بألواح صاج، ثم تنزل من سيارتك وقد تغبر حذاءك بالأتربة، فتذهب إلى باب المدخل، فتجد بالوعتين أخريين مغطاتين كذلك بألواح من الصاج غير المحكمة، ، ثم تصعد بعض الدرجات، فتجد موظفًا خلف منضدة خشبية ، فتقف أمامه لكى يكشف على اسمك، ثم يسمح لك بالدخول، فتجد ماكينتين ضخمتين للكشف على الحقائب تظهر عليهما علامات القدم، ، ثم تسير فى ممر آخر طويل، فتجد على يمينك مدخل استوديوهات القناة الأولى، وعلى يسارك توجد دورتا مياه، فإذا دخلت أيًّا منهما ستفاجأ احيانا بتسريبات مياه على الأرضيات، وصنابير متهالكة، فتعف نفسك وتريد أن تولى وجهك فرارًا، ونفس الأمر ينطبق على دورة المياه فى الدور الرابع، فى استوديو النيل للأخبار، أما الحديث عن أوراق مناديل وصابون سائل، فهذا يبدو من الرفاهية والكماليات.
وهنا يحضرنى ما قاله السيد عمرو موسى فى لقاء حضرته مع سيادته فى بداية تعيينه وزيرًا للخارجية، فى أوائل تسعينيات القرن الماضى، وكنت فى بداية عملى الدبلوماسى؛ حيث ذكر سيادته أنه عيَّن واحدًا من أكفأ السفراء فى منصب إدارى ومالي، وكان توجيهه الأساسى له أنه يريد منه أن يهتم بدورات مياه وزارة الخارجية أكثر من اهتمامه بقضية الشرق الأوسط.
وإذا عدنا إلى مبنى ماسبيرو، سنجد أن الممرات الجانبية التى تؤدى ربما إلى استوديوهات أخرى فى الدور الرابع، فمن السهل أن تلحظ وجود بعض الأسلاك المدلاة على الحوائط، وإذا نظرت إلى الأسقف لوجدت العديد من المصابيح الكهربائية لا تعمل، أو أن مكانها فارغ، أو أنها بلا أغطية، وإذا دخلت صالون الانتظار، ستفاجأ بأنك تجلس على أريكة وبعض الكراسى التى تذكرك بالأثاث الذى يباع على الأرصفة فى الأحياء الشعبية. أما وأنت داخل إلى الاستوديو، فإذا تعثرت ودبت قدمك على الأرضية، ستفاجأ بكمية كبيرة من الأتربة؛ لأن قطعة القماش الموجودة على الأرض فى مدخل الاستوديو، والمفترض أنها سجادة، لم يتم تنظيفها أو غسلها ربما منذ أشهر.
ولذلك فإن أكثر ما أخافه أن يكون وضع الصرف الصحى، الظاهر تدهوره، ربما ينطبق كذلك على وصلات الكهرباء المدفونة فى الحوائط والخارجية، وأخشى ما أخشاه أن نفاجأ بشىء ما قد يهدد هذا المبنى العريق، وتسجيلاته من التراث الوطنى المهم، وشرائطه التى لا تقدر بثمن ولا تعوض.
لذلك أتمنى وأتوقع أن يكون تنفيذ التوجيهات الرئاسية يتضمن سرعة نقل هذا التراث الموجود داخل المبنى إلى مكان آخر أكثر أمانًا، إلى حين إجراء الترميمات والإصلاحات الشاملة للمبنى ككل، والتى قد يكون من بينها كذلك نقل ما فيه من عاملين واستوديوهات إلى مكان آخر، قد يكون فى العاصمة الإدارية الجديدة، أو مدينة الإنتاج الإعلامى.
مساعد وزير الخارجية سابقًا