حلم من الزمن الجميل
أسامة غريب
آخر تحديث:
الجمعة 4 سبتمبر 2026 - 6:10 م
بتوقيت القاهرة
ما أشد فرحة الإنسان حين يلتقى على غير توقع بصديق قديم فرقته عنه الأيام. هذا ما أحسست به حين لمحت وجهه وسط الزحام فى أحد المولات الشهيرة بالقاهرة.. هو هو، لم تتغيرملامحه وكأنما سنوات طويلة لم تنقض منذ افترقنا بعد التخرج فى مدرسة غمرة الإعدادية. ارتفع صوتى بالنداء: حامد. التفت نحوى وأدهشنى أنه تعرف علىّ فورًا.
جلسنا نحتسى القهوة وتبادلنا الذكريات. قلت له: إن هدوءه وتعقله هو ما كان يشدنى إليه فى تلك الفترة، وقال لى: إن حيويتى وجرأتى فى مواجهة المدرسين هى أكثر ما كان يعجبه فيّ. يبدو أن الذكريات الجميلة المحفورة فى ذاكرة كل منا عن تلك الأيام تجعل صورة الرفاق حاضرة بكل الحب والمودة، وعندما استعدت مع صديقى حامد أيام زمان فقد حضرت أمامى ومعها مشاعرى عن تلك الفترة فأحسست بشعور غامر بالحب نحو هذا الصديق الذى لم أره منذ ثلاثين عامًا أو يزيد. تذكرت كلامًا قرأته للأستاذ حسين أحمد أمين تحدث فيه عما يسميه الناس بالزمن الجميل وحنينهم الدائم للأيام الخوالى، واعتقادهم اليقينى أن أصدقاء زمان هم الأصدقاء الحقيقيون وأن أفلام زمان هى السينما الحقيقية وأن غناء زمان هو الطرب الحقيقى، فسّر الأستاذ أمين الأمر على نحو أعجبنى ،فقد قال ما معناه إنه لو كان هناك فى الأمر شىء جميل أيام زمان فهو أنت..أنت الذى كنت جميلًا بشبابك وإقبالك على الحياة، بتفاؤلك ورؤيتك للأشياء والناس بحسن نية.. الجميل هو مشاعرك الخضراء الغضة وتفتح مسام قلبك للحياة والحب. الجميل ليس طبق الفول الذى كنت تتناوله على الرصيف وما زلت تعتقد أنه أروع ما أكلت فى حياتك، ولكن الجميل هو معدتك الشابة العفية التى كانت تهضم الزلط قبل أن تعرف الزانتاك والفوار وأدوية القولون والمعدة.
طالت جلستى مع صديقى حامد، ولما استأذنت فى الانصراف، بسبب موعد مع العمال الذين سألتقيهم للاتفاق على القيام بأعمال التشطيب لشقتى الجديدة، عرض بأريحية ليست غريبة عليه أن يأتى معى نظرًا لخبرته العريضة فى هذه الأشياء. سألته عن سر هذه الخبرة فأخبرنى أنه بعد تخرجه من كلية الهندسة لم يرتح للعمل فى الحكومة فأنشأ شركة مقاولات تتولى أعمالًا فى طول البلاد وعرضها. ذهب معى للقاء الصنايعية وفوجئت به يخبرهم بأننى قررت أن أرجئ أعمال التشطيب فى الوقت الحالى ويصرفهم بمنتهى الهدوء. برر لى الأمر بأنه أدرك أننى لا أملك أى خبرة أو دراية بهذه الأمور، وبالتالى من السهل على هؤلاء العمال أن يمنحونى أردأ شغل بأغلى الأسعار. قلت له وأنا فى منتهى السعادة إن كل تجاربى من هذا النوع كانت شديدة المرارة، حيث لا أطيق النقاش والجدال مع الحرفيين، ودائمًا ما يغلبوننى لدى أى تعامل معهم. بشرنى بأنه سيُحضر عماله بعد يومين، وسيقوم بالإشراف عليهم بنفسه.
فى اليوم التالى كان يجلس معى على الغداء ببيتى بعد أن قدّمته إلى أسرتى وحكيت لأولادى عن صديقى الخجول الذى كان يجلس بجانبى فى الفصل وكيف كان هدوءه وأدبه يجلبان لى المتاعب حيث كان المدرسون يعدّوننى وقحًا بالنظر إلى دماثته ورقة حاشيته. وكان فى وجوده معنا بالبيت فرصة لأن يقوم كل فرد من أفراد الأسرة بأخذ رأيه فى الأشياء التى يتمناها فى غرفته كنوع الديكور وشكل الشبابيك ولون الدهان. والحق أن أفكاره واقتراحاته كانت تدهشنا، ومن الواضح أن سنوات خبرته فى المقاولات كانت مثمرة. فى المساء ذهبنا إلى السينما وعرجنا فى طريق عودتنا على فيلته بمدينة نصر حيث كان يجرى بها بعض التجديدات، ولهذا فقد أرسل أفراد أسرته إلى الاسكندرية لحين انتهاء العمل فى البيت. أحسست بعميق الامتننان لهذا الصديق الوفى عندما أخبرنى أنه سيوقف العمل فى فيلته حتى يتفرغ العمال تمامًا لتشطيب شقتى، حاولت أن أثنيه لكنه رفض بإصرار.
تلقيت مكالمة منه عصر اليوم التالى حيث طلب منى القدوم إلى شقتى للاطمئنان على سير العمل بها. أحسست بسعادة عندما وجدت الصنايعية يعملون بكل همة فى السباكة والكهرباء والمحارة والنجارة، وزادت دهشتى لأننى لم أدفع لصديقى أى مبالغ ليبدأ بها العمل.. يا سبحان الله على هذه الدنيا العجيبة التى ساقت لى هذا الصديق فى هذا الوقت بالذات ليعيد لى ثقتى بالحياة بعد أن اهتزت بشدة من كثرة صدمات التعامل مع الناس.
اتصلت به والتقيته فى المساء، حيث شكرته على كرمه الزائد وطلبت معرفة التكلفة لأننا لم نتحدث فى هذا الأمر من قبل. قال لى إن تشطيب الشقق لا يدخل ضمن عمله وأنه يقوم بهذا الأمر إكرامًا لخاطرى وطلب منى اعتبار الموضوع برمته هدية منه إلى صديق عزيز. لم أقبل موضوع الهدية وشكرته، فقال أنه سيأخذ فقط أجرة العمال وثمن المواد وقدّرها فى حدود مبلغ كذا. فى اليوم التالى دفعت له الفلوس وأنا أعلم أن التكلفة لولاه كانت لتتضاعف.
بعد عدة أيام طلبته فكان تليفونه خارج الخدمة واستمر هكذا طوال اليوم، قلقت عليه فذهبت للشقة لأسأل العمال عنه فلم أجد أحدًا ووجدت الشقة خاوية على عروشها، والعمل الذى كان منتظمًا قد توقف. ذهبت إلى فيلته فاكتشفت أنها لا تخصه وأن كل ما حكاه لى بشأنها كان غير حقيقى، عندما فشلت فى العثور عليه أبلغت البوليس فعرفت أن صديقى القديم ليس مهندسًا ولا يعمل بالمقاولات وأنه مسجل نصب وسجله متخم بالقضايا.
والآن هل يصدقنى أحد لو قلت له إن فجيعتى فيه هى أشد من فجيعتى فى الفلوس بكثير؟.. وقد كنت أرجو أن تضيع الفلوس، ويظل هو حلمًا راقيًا أقبل علىّ مبعوثًا من الزمن الجميل.