فى المُسَاواة والتمْييز

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

آخر تحديث: الجمعة 4 سبتمبر 2026 - 6:20 م بتوقيت القاهرة

على بوَّابة أحد الأمكنة التى عملت ذات يومٍ بها، أذكر وجودَ امرأةً عَجوز ضِمن أطقم النظافة؛ تلتزم مكانها ولا تغادره قبل موعد الانصراف. كلما وَصَل شخص؛ كلما انتفضت العجوزُ واقفةً ورأسها مَحنيٌّ قليلًا، بينما يداها إلى جانبيها كأنها تؤدى التمام العسكريّ. إن كانت تمضُغ طعامَ الإفطار كفَّت عن المَضْغ وسكنت اللقمةُ جانبَ فمها، وإن كانت تتحدَّث فى المَحمول صَمَتت وسُمِعَ صَوتُ مُحدثها مُنفردًا على الجانب الآخر. رجوتها مرةً وعشرًا أن تظلّ جالسَةً على مقعدها وأن تكتفيَ برد التحية دون مظاهر متكلفة؛ لكنها لم تستطع أن تغيرَ عاداتها. فكرت ذات يوم أن أخاطبها بما قد يجد لديها صدى؛ قلت: "كلنا ولاد تسعة". ضحكت ضحكةً كبيرةً وتخلت عن تحفظها وهى تجيب: "ربنا يعزّك يا دكتوره، ما يصحّش".


• • •
تأتى القولةُ الأثيرة: "كلنا ولاد حوَّا وآدم"، لتُدلل على التساوى فى الأصْل وعدم وجود فوارق أوليَّة بين الناس. المنشأ واحدٌ بينما رحلاتُ الحياة مُتنوعة مُختلفة؛ لا سيما وقد أنجب آدم وحواء الصالح والطالح، ومِن نسلِهما صار من يَحظى بمتاع الدنيا ومباهجها، ومَن يشقى بخطوبها ونوازلها. تتفاوت المقامَاتُ وتتباين المَصائر وتبقى الجذورُ واحدةً؛ لا تبيح لواحدٍ أن يغترَّ بذاته، ولا أن يتطاولَ على الأدنى منه درجة.


• • •
قد يستخدم شخصٌ ما له من نفوذ كى يتَحصَّلَ على مَيزة لا تُتاح لسِواه؛ أبسطها مثلًا أن يتقدَّمَ على المُنتظرين فى صَفٍ طويل، أو يَسطو على ما ليس له فيحتل مساحةِ عامة لصالحه مِن الشارع أو الرصيف، وأعظمها أن يصبح فوق المحاسبة مُحصَّنًا ضد تطبيق القواعد والقوانين؛ وإذ يستهجن الناسُ ما يرون فإنهم يتغامزون ويتلامزون ويسخرون من الأحوال قائلين: "أصل على راسه ريشة". الريشة هنا علامة تمييز مَرفوضة؛ فالرؤوس محلُّ للمساواة بين البشر من قديم؛ متى ظهر ما يعطى أحدها أفضلية دون وجه حق؛ كان من قبيل الغبن والتحقير للآخرين.


• • •
بعض الأحيان يتطلب الموقف تشجيع أحد الأشخاص، وحثَّه على التعامُل كنِد حقيقى مكافئ؛ لا كطرف أقل شأنًا أو أضعف. "راسك براسه" هى القولة التى تُوجِز المرادَ، نصيحة صارمة تعيد الثقة بالنفس ولا تسمح للمنافس بالتجاوز أو توجيه الإهانات أو حتى بإلقاء الأوامر والنواهى. من الطبيعى أن تَتَسِم العلاقةُ بين المواطن العاديّ والمسئول صاحب المَنصِب؛ بالندية والمُساواة فى الحقوق، وأن يحظى طرفاها بالاحترام الواجب؛ لا يظن أحدهما أنه يَمنُّ على الآخر بما لديه، ولا يتصوَّر أن بيدِه تعطيلَ المسار ووضع العراقيل.


• • •
يُقال إن "المُساواة فى الظلم عَدل"، والمعنى أن على الظالم توزيع ظلمِه ليطالَ الجميع؛ فإن نجا مَن أنصفته الظروفُ؛ تضاعَفت المَظلمةُ فى أعين الآخرين. شعور الفرد بأن الجُّورَ مُعَمَّمٌ لا يستثنى أحدًا، وأن المعاناةَ تطال الجميعَ؛ إنما يُهون الأوجاعَ ويُخفف الضيقَ، أما إن اقتصر الكربُ على فئة دون أخرى، ونظر المكروبون إلى غيرهم فرأوا أحوالهم متيسرة لا يكابدون ما يُنغص العيشةَ أو يؤرق المَنام؛ توَلّد حينها سُّخطٌ غامرٌ وتأجَّج الغضبُ فى الصدور وحرَّضها على المقاومة والتغيير.


• • •
يقول المثلُ الشعبيُّ الحكيم: "اللى خدته القرعة تاخده أم الشعور" والقصد ألا تمييز بين هذه وتلك؛ فالأنصبة مقررة، تتوزَّع بالتساوى دون مُحاباة، والقرعةُ وصاحبةُ الشعر تقفان على قدم المُساواة فى عين العدالة التى تقوم على أسُس ثابتة، ولا تنتقى ما يعجبها وحسب.


• • •
بعضُ المرَّات نتداول سؤالًا لا يبحث عن رَد بقدر ما يحمل مِن استنكار: "ابن مين فى مصر؟". نتساءل فى دهشة حين تصدمنا واقعة تخطى صاحبُها القواعدَ كافة والأعراف، وتعالى فوق الناس وانطلق يعربد هنا وهناك؛ لا يقيده شيء ولا يحسب حسابًا لأحد، وقد جرت العادةُ فى مجتمعاتنا بأن يحظى البعض بميزات جمَّة؛ تتخطّى جملةَ ما للفقراء متواضعى الحال من مُكتسبات، وأن تعد هذه المَيزات بمقام حقوق بديهية لا يصح النقاش بشأنها ولا الطعن فيها.


• • •
"اشمعنى" كلمةٌ مصرية أصيلة مُكونة من شقين هما: "إيش" و"معنى"؛ مجموعهما علامة استفهام تستكشف سببَ تغييب المساواة، وغالبًا ما تمهد للاعتراض على وَضع غير مَقبول؛ ينال فيه أحد الأشخاص أو بعضُهم ما تُحرَم منه البقية. اشمعنى فلان؟ أخذ إجازة، أو تحصَّل على مكافأة، أو حظى بعلاوة، وبين الأطفال؛ اشمعنى فلان؟ ابتاع حلويات أكثر، أو ترك الطعام فى صحنه دون أن ينهيَه، أو غابَ عن المدرسة بغير عذر. هى كلمة للمقارنة والتذمُّر من الحال، مع تمنى المساواة بأحوال تبدو أفضل. انتشرت فى الآونة الأخيرة مقارنة عكسية عجيبة، فبدلًا من أن يطمح الناس إلى الترقى واللحاق بالدول التى تقدَّمت الصفوفَ وارتفع شأنها، فيقولون "اشمعنى" إندونيسيا أو تايلاند وماليزيا؛ إذا بهم يَرجون حفظَ ماءِ الوَجه بعد زوال السَتر، ويستدعون نماذجَ حاضرةً مُوجِعَة، ومن قبيل: عشان ما نبقاش زى سوريا وليبيا.


• • •
فى المُساواة طموحٌ لعالم مثاليّ يتعذَّر الوصول إليه، وفى التمييز طبيعةٌ بشرية لا حيلة حاسِمة تجاهها؛ لكن هذا وذاك لا يمنعان تضييقَ الفَجَواتِ التى تعاظمَت بين الناس، واتخاذ ما تيسَّر من إجراءاتٍ؛ كى يتمتع الكل بضَروراتِ الحياة دون إذلال ولا تقتير.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved