النظام العربى فى بوتقة اختبار جديدة

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 4 أكتوبر 2017 - 10:30 م بتوقيت القاهرة

فى حقب طويلة من تاريخنا قدسنا الدولة، أينما ومتى وجدت، وتجاهلنا حقوق المواطن الفرد. وفى حقبة أحدث راح كثيرون من بيننا يقدسون حقوق المواطن الفرد، ولو على حساب أمن الدولة واستقرارها ونموها الاقتصادى. دول كثيرة، ليس من بينها فيما أعرف دول فى الشرق الأوسط، عثرت على الصيغة المناسبة التى تضمن حقوق الدولة وحقوق المواطن فى آن واحد. دول أخرى، بينها دول فى الشرق الأوسط تبنت، بعضها عن عمد وسابق إصرار، أيديولوجية شبه شمولية ارتضتها أو أخضعت لها شعوبها تحت حافز المساواة والعدالة الاجتماعية أو إغراء وبريق مجد تاريخى يستعاد أو استجابة لنفير الدعوة للتخلص من استعمار عنيد واحتلال مكير.

***
لا أنكر دورى شريكا فى كل هذه الحقب. كنت مع عرب آخرين نساهم فى بناء دول فى أمم خلف فيها الاستعمار فى أحسن الأحوال مشروعات ناقصة لدول وفى أسوأها كيانات سياسية غارقة فى مستنقعات تخلف رهيب عن العصر. كانت الدولة المستقلة الحديثة الآمنة هدف أبناء جيلى. كان هناك أيضا، ويجب الاعتراف بذلك، الاعتقاد بأن هذه الدولة عندما تقوم وتنجح فلن تكون أكثر من محطة ننطلق منها نحو هدفنا الأعلى، الدولة العربية الواحدة.

لم يكن للفرد فى هذا المشروع القومى موقعٌ متميزٌ. كان الموقع المتميز هو موقع الدولة وللفرد موقع ثانوى أو موقع مؤجل فى حلم مستقبلى، هذا إن كان له موقع على الاطلاق. أخطأنا فى عرف الكثيرين. بعضنا لم يعترف بالخطأ حتى يومنا هذا ولديه أسبابه وحججه، وبعضنا اعترف بخطأه ولم يعلن الندم إن وجد الندم، وبعضنا انقلب على نفسه وعلى مرحلة فى تاريخه وراح يستبدل الندم على ما اعتنق وفعل فى الماضى بالإغراق فى تقديس الفرد والانهماك فى الدفاع عن حقوقه. أعرف كثيرين من هذا البعض بالغ فى تمرده على الدولة حتى كاد يعتنق إحدى الأفكار العتيقة فى تاريخ الفكر السياسى، فكرة أن الدولة كيان ظالم ولا ضرورة لوجودها.

***
حدث هذا ويحدث فى الشرق الأوسط، هذا الإقليم الفريد فى موقعه وتراثه وتنوع شعوبه وقسوة حكامه وغزارة أنبيائه وعظمة تضحياتهم من أجل حريات الإنسان وسعادته. الشرق الأوسط هو أيضا الإقليم الذى يزهو على غيره من أقاليم العالم بأنه أهم مصدر لثروات ونكبات عديدة. هو المصدر الأهم للنزاعات الدولية والحروب الأهلية وللنفط وللممرات البحرية والهجرة وتجارة البشر وغسيل الأموال والإرهاب. هو أيضا أخصب تربة لصنع أحلام التوسع على حساب أراضى الغير وقهر الفرد وقمعه وتقييد حرياته ولجم لسانه. تاريخ الشرق الأوسط حافل بقصص نشأة أمم وزوالها. شعوب كثيرة عاشت فيه، تعايشت وتقاتلت وفى الغالب تقاتلت أكثر مما تعايشت. شعوب بعضها عاش عقودا يحكم ويتحكم وعاش قرونًا مقهورا ومظلوما. من هذه الشعوب شعب صنع إمبراطورية امتدت من الفرات إلى النيل ومن صفوفه خرج قادة عظام حرروا القدس ومدائن أخرى من سلطة الصليبيين الأوروبيين.. أتحدث عن الأكراد. 

***

قيل لى، نراك متحمسا على غير عادتك لحق الأكراد فى دولة تخصهم. لم تأخذ فى حسبانك ومنظومة قيمك حق كل من إيران وتركيا وبشكل خاص العراق فى مجمل أراضيه وسيادته على جميع شعوبه. لم تلتزم بقيم العروبة التى افترضت أن الشعب غير الناطق بالعربية الذى يخضع لحكم طبقة سياسية عربية لا بد وأنه سيتساوى فى الحقوق والواجبات مع الشعب العربى المتعايش معه تحت علم واحد ودستور واحد وسلطة طبقة سياسية واحدة. أقول بدورى، نعم أنا متحمس لحق الأكراد فى دولة تخصهم ولكنها الحماسة غير المطلقة. لا أتصور نفسى مدافعا عن حق المصريين فى دولتهم ولا أدافع عن حق الأكراد فى دولة لهم، و حين أدافع عن هذا الحق للمصريين أو السعوديين أو السوريين فأنا أصر على الاعتراف بحقوقهم فى الحريات جميع وأولها حرية الاختيار وحرية التعبير. أنا غير نادم على موقف مرت عليه السنون ولكنى لم أعد مستعدًا لمواصلة دعم من يطالب بدولة موحدة وقوية ورغدة وفى الوقت نفسه قمعية وشرسة وحقودة أو فى أحسن الأحوال غير كُفْء ومتدهورة الأداء والأخلاق. أنا شخصيا، وبالمتابعة الدقيقة، لا أجد ما يطمئننى على أن دولة مستقلة فى كردستان العراق تحت القيادة الراهنة يمكن أن تحقق للشعب الكردى آماله. 

أخطأ الجيل الذى أنا منه، أخطأنا على امتداد سنين عديدة لأننا لم نتوقف خلالها قليلا لنسأل هل القيادة السياسية التى وعدتنا بتحقيق حلم الدولة القوية والعادلة كانت على مستوى الكفاءة الضرورية لإدارة المجتمع بالعدل واحترام القانون ومؤسسات نقية وكفء. أسأل نفسى نيابة عن ملايين الأكراد، هل عشنا يوما، منذ استقلال العراق وحتى يومنا هذا، نعمنا فيه بمتعة تذوق طعم الحرية والمساواة فى الوظائف والعدالة والطهارة المالية، فى ظل حكومة مركزية فى بغداد لم تضمن لنا حقا فى الثروة النفطية التى يختزنها الإقليم الكردى، وحين اعترضنا نحن الأكراد ورفعنا الصوت بمطالبنا أهلكتنا بغداد بالمبيدات الكيماوية. ولم تتحرك حكومة عربية واحدة دفاعا عنا ولم تتحرك الجامعة العربية التى فرضوا علينا الانتماء لها، لم تتحرك ولو تنديدا. 
أعطونى أنا الإنسان الكردى المقيم على أى أرض، أعطونى حقى أولا وحرياتى وضمانات مستقبلى وأنا أعدكم بأن أختار، بكل الهدوء الممكن وبعيدا عن كل المؤثرات الخارجية، من يحكمنى.

***

سألت أصدقاء مخضرمين من العراق إن كان الأكراد سوف يتمتعون بمستوى حياة أفضل فى ظل استقرار سياسى معقول وبحقوق وحريات كاملة وبوظائف عليا فى البيروقراطية المركزية ومؤسسات السلطة «السيادية» كما يجرى تعريفها فى مصر، لو أنهم عادوا عن استفتائهم وقرروا منح الاستمرارية فرصة أخرى. جاءت الإجابات صارمة ومقنعة ومحبطة ولكن صادقة. قالوا، سيحظون بما نحظى نحن العرب به، وهم يعلمون أن الجيد فيه والمتاح ضئيل والسيئ فيه والمحرم كثير. لذلك لن يعودوا بمحض رضاهم واختيارهم. هى الحرب يا صديقنا قادمة قادمة ليس لأن الأكراد يريدون الانفصال ولكن لأن فى العواصم العربية من يريد قمع الناس وتقييد حرياتهم.
سألت زملاء قدامى فى جامعة الدول العربية إن كانت الجامعة مستعدة لاحتضان مؤتمر عربى يجرى من خلاله التفاوض بين بغداد وإربيل على شكل مناسب لمستقبل العلاقة بينهما. قال أحدهم إنه لا يظن أن لدى الجامعة تفكير مسبق حول تفاصيل الدعوة لإجراء هكذا مؤتمر تقف دون عقده بل التفكير فى عقده محاذير عديدة. سألت الزملاء فى الخليج إن كان لدى مجلس التعاون الخليجى متسع من وقت وجهد لمناقشة موضوع له هذه الاهمية، فالعراق أهم دولة جوار عربى، والقرار فى شأنه يستلزم مشاركة إيرانية، والجامعة العربية غير مهيأة إداريا وماليا لتتحمل أعباء وتكلفة تنظيم المؤتمر والمفاوضات المترتبة عليه. أضف إلى ما سبق ضعف ثقة أحد الطرفين، وربما كلا الطرفين، فى الجامعة العربية كطرف محايد. اعتذر الزملاء الخليجيون عن تقديم إجابة لانشغالهم بالتفكير فى أسباب أزمة الخليج الراهنة الناشئة عن نزاع بين قطر ودول شقيقة وفى مستقبل النظام الخليجى. 

خطر على بالى احتمال أن يقبل الأكراد الانتظار حتى تقوم منظمة إقليمية شرق أوسطية تجمع إلى جانب الدول العربية دولا أخرى من الإقليم كتركيا وإيران. لا أستبعد، شخصيا، أن ينضم أعضاء آخرون تحت ضغط دول أجنبية كبرى ودول محلية كبرى وأخص بالذكر إسرائيل بعد أن تكون قد حققت من الدول المطبعة معها العدد الكافى لإسكات المعترضين العرب، وهم فى تناقص مستمر على كل حال. وجود اسرائيل وربما أطراف تمثل الاتحاد الأوروبى كاليونان وقبرص وبريطانيا وأمريكا وفرنسا فى هذا النظام الشرق أوسطى لم يعد من نوع الخيال العلمى الذى انغمسنا فيه خلال عقود خلت. لا يخالجنى أدنى شك فى أن روسيا سوف تسعى لتكون عضوا مؤسسا، لأنها فى ظنى لن تترك الشرق الأوسط بعد الآن لقوى أخرى تلهو فيه بعيدة عن رقابتها. 

***

لم يكن الأكراد العراقيون ليلجأوا إلى الاستفتاء ومفاوضات شاقة واحتمال نشوب نزاع دموى ومشكلات بناء دولة مستقلة لو عاشوا فى العراق فى سلام ورخاء وحملوا لبغداد ذكريات عقود طويلة رغدة وسعيدة. هم وغيرهم من الشعوب التى اختارت الانفصال لم يدفعهم إلى هذا المصير الملتهب إلا حياة أشد ضنكا وظلما. أهل كاتالونيا اختاروا الانفصال لأنهم عاشوا طويلا جدا تحت حكم الدكتاتور فرانكو ونظام فاشى قمعى والرفض المستمر من جانب حكومة مدريد الاهتمام بثقافة شعب كاتالونيا، ولغتهم وأيضا تحت الشعور الدائم بالافتئات على حقهم فى ثروتهم، ثروة الاقليم. البريطانيون ما كانوا صوتوا للخروج من الاتحاد الأوروبى لو أنهم لم يشعروا بأن البيروقراطية الأوروبية تجاوزت الحد وطغت متحررة من القيود ومن رقابة السلطات الوطنية فى الدول الأعضاء. وما كان الاسكتلنديون ترددوا فى تسريع انفصالهم عن المملكة المتحدة لو لم تزل دوافع البقاء متفوقة على محفزات الانفصال.

***

لا تسعى الشعوب للانفصال من كيان يضمها وشعوب أخرى إلا عندما تجتمع عليها مجموعة من منغصات العيش. لا يوجد شعب جاءته فرصة عيش أخرى يتركها تضيع بينما هو يعانى من تقصير شديد من جانب الحكومة المركزية فى تلبية حاجاته الأساسية كالغذاء والتعليم والصحة والمسكن. هذا الشعب لن يسكت طويلا على أعمال قهر وقمع وتقييد حريات ومباشرة الحقوق. شعوب أخرى أفاقت فجأة وإن تحت تأثير موجة العولمة، أفاقت على حاجة ماسة لإنعاش تراثها وحقها فى استخدام لغتها وتطويرها، كلاهما لم تهتم به الدولة المركزية أو الطبقة الحاكمة فيها. لا يمكن، ولا يجوز إنكار أنه فى معظم الحالات كان للقوى الخارجية دور فى تشجيع أو إحباط الرغبات الانفصالية، ولكن فى كل هذه الحالات كان دورا ثانويا بالمقارنة بدور العنصر الداخلى. نحن أمام شعب يحلم بدولة تخصه وحده ولن يتخلى عن هذا الحلم، إنه «أكبر شعب فى الشرق الأوسط عاش بدون دولة على امتداد وجوده لمئات السنين».
أعود لسؤال سألته فى مطلع هذا المقال، هل لدى جامعة الدول العربية مشروع حل مناسب قبل أن يخرج علينا دعاة الشرق أوسطية بمشروع الحل النهائى لهذه القضية. ولن تكون المرة الأولى أو الأخيرة؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved