لماذا يشعر الكثيرون بالقلق من المستقبل؟
صحافة عربية
آخر تحديث:
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 9:35 م
بتوقيت القاهرة
ينبع الشعور بالقلق مما يخبئه المستقبل لنا من منطلق الجهل به، فلو كنا نعلم ما ينتظرنا لكنا، ربما، فى قمة السعادة، إن كان المستقبل مشرقا، أو فى قمة التعاسة، إن كان سيئًا.
كما يزداد قلقنا من المستقبل مع تقدمنا فى العمر، ومع وقوع أحداث عظام لا قدرة لدينا فى السيطرة عليها، مثل الحروب والأوبئة أو الأصابة بأمراض خطيرة. وعادة ما يشكل المستقبل هاجسا لمحدودى الدخل، الذين لا يضمنون امتلاك القوة أو المال لتوفير العشاء لأسرهم. أما المعدمون وبالغو الثراء، فإنهم، منطقيا، أقل اكتراثا، من غيرهم، بما يخبئه المستقبل لهم.
يقول البروفيسور والمؤرخ الإسرائيلى «يوفال هرارى»، المعارض لسياسات حكومته، إن من أسهل الطرق لبث الاطمئنان فى القلوب فى ما يتعلق بالمستقبل، وعلى نطاق واسع، هو إقناع الجميع بالإيمان بالرواية نفسها. فالروايات هى المحرك الحقيقى للتاريخ، ولا يشترط أن تكون صحيحة. فبعض أقوى الروايات فى التاريخ كانت من نسج الخيال. وبعضها الآخر زائفة تماما. لكن عليك أن تجعل الجميع، أو على الأقل شريحة كبيرة من الناس، يؤمنون بالرواية نفسها.
فالعلم ليس عن الحقيقة، على الأقل هذا رأيى كمؤرخ، ولا هو، فى جوهره، الهدف، بل الهدف الحقيقى للعلم كمشروع، كمؤسسة، ليس الوصول للحقيقة، بل للسلطة. فقد يكون بعض الأفراد، وبعض العلماء، مهتمين جدًا بالحقيقة، على الصعيد الشخصى. لكن كمؤسسة، الهدف الحقيقى للعلم هو السلطة. فمن يمتلك البيانات يمتلك المستقبل، وأشياء كثيرة أخرى. والبيانات هى المعلومات.
وقال إننا نقترب من نقطة فى تاريخ البشرية نمتلك فيها من المعرفة البيولوجية والقدرة الحاسوبية ما يكفى، وكل ما نحتاجه لاختراق حياة ملايين الأشخاص بشكل منهجى هو البيانات. اختراق الناس يعنى معرفتهم أكثر مما يعرفون أنفسهم. شخص ما فى سان فرانسيسكو، أو فى بكين، يعرفك، يعرف عنك أكثر مما تعرفه عن نفسك، عن حالتك الصحية، عن نقاط ضعفك، ونزواتك، وحتى أمراضك، وأيضا عن أمور فعلتها قبل خمس أو عشرين سنة، ونسيتها تمامًا، لكنه يعرفها.
هذا شىء لم نواجهه من قبل، فحتى أعتى أجهزة المخابرات لم تستطع فعله. وقد بدأنا نرى بالفعل ظهور أنظمة مراقبة شاملة تغطى قاطنى المدن الكبرى. وفى أماكن مثل إسرائيل، حيث لدينا مختبر ضخم لتجربة مراقبة الآخرين يُسمى «الأراضى المحتلة»، حيث يوجد ويعيش 2.5 مليون فلسطينى، يتم التعامل معهم كـ «فئران تجارب»، بهدف السيطرة عليهم بشكل كامل، وبأقل عدد من الجنود. فعندما نطلع على البيانات، ونحلل ما لدينا من معلومات، نستطيع حينها معرفة عدد الجنود الذين نحتاجهم للسيطرة على ملايين الناس، شريطة امتلاك كامل البيانات الصحيحة عنهم. وبالتالى المستقبل مقلق، لأسباب كثيرة، لكن يصبح مقلقا أكثر أو أقل، تبعا لما نعرفه، وتبعا لنفسياتنا وأوضاعنا الأسرية أو المادية، وحالتنا الصحية.
جريدة القبس الكويتية